P
R
E
V
N
E
X
T

ADITYA PANDE, Half-Life Form III (detail), 2012, mixed media on archival paper, 152 × 114 cm. Courtesy the artist and Aicon Gallery, New York. 

الفوضى المُنشَأة

Aditya Pande

India
Also available in:  Chinese  English

كان من قبيل المصادفة وجود أديتيا باندي في صالة آيكون في نيويورك، والتي زرتها لمشاهدة معرضه الفردي في شهر أيار/ مايو. ألقيت التحية على العاملين كزائرة دائمة للمعرض، وذكرت أنّي أخطط لكتابة مقالة حول الفنان، فعندما سمعني تقدم مستجيباً لعرضي بتردد خفيف ما لبث أن زال ونحن نخرج من المعرض. 

عمله الأخير (كل ما ورد أعلاه) مؤلَّف من أربع سلاسل تجمع بين الوسائط الرقمية والرسم اليدوي والكولاج والصور الفوتوغرافية، وهي تدور حول اهتمامه الأساسي بالرسم والتجارب الشكلية التي تستخدم وسائط مختلفة. 

افتتح المعرض بمجموعة من المطبوعات التجريدية (رسومات الطريق الدائري)/ 2014؛ وهو عرض للطرق الداخلية والخارجية الدائرية التي تحيط بمدينة نيودلهي، أي مدينة باندي. فوق الأضواء الملونة المتدلية المتتالية ثمة دوائر وشرائط توحي بترتيبها البسيط المتعمّد بأنها وجوه، وقد أضاف إليها باندي أسماء شخصيات ناضلت من أجل الحرية، ومن بينها نيلسون مانديلا، جوزيف بروز تيتو، لالا ليجبات راي، والمهاتما غاندي. 

بعد بضعة أسابيع من جولتنا شدد باندي عبر الهاتف على مركزية الرسم بالنسبة لعمله. وقال إنه يرسم (بوتيرة عالية)، ويخضع عمله لإسترتيجيات (رد الفعل)، ويضع رسومه التخطيطية في أشكال مختلفة لوسائل الإعلام، ومستويات السيطرة. 

وفي تأليفه للصور السياسية العبثية كما في (رسومات الطريق الدائري) على سبيل المثال؛ فإن حركات السيارات غير المنضبطة والمستقلة ليلاً توفر مواداً خام تجريدية. وفي إعادة تأكيد السيطرة على تلك المواد يستمد باندي شخصيات من أبسط الأدوات، أي وجوه تظهر من دوائر مجردة، وشرائط كما لو أنها كانت دائماً هناك.

    في سنوات شبابه الأولى كان باندي يتدرب على الكمبيوتر والبرمجة الأساسية، واصفاً علمه فيه الآن بأنه علاقة تكافلية بين ممارسته الرسم وتفاعله مع الوسائط الرقمية التي تفتح الآفاق أمام طيف من التعبيرات الممكنة، لكنها تنتج كذلك نوعاً من عدم الراحة المتعمّد. قال إنه يرفض أن يصبح الرسم أو العمل بوساطة الكمبيوتر في غاية السهولة، وقد كانت سلسلته المبكرة (رسومات فيكتور)/ 2005؛ محاولته الأولى للعبور. وباستخدامه برنامج فيكتور أصبح باندي مأخوذاً بـ (القدرة الغريبة للسيطرة على عملية الرسم على الكمبيوتر، حيث يتحول الرسم وينفتح أيضاً على المجال الرقمي. حيث يمكن حذفه، ونسخه وترتيبه، وكل تلك الإستراتيجيات لم تكن موجودة في الرسم). إن ما ينتجه برنامج فيكتور سيستمر ظهوره في أعماله، لتترافق – نهاية المطاف – مع الكولّاج والتصوير الفوتوغرافي وإيماءات حركة اليد، منتجةً أشكالاً معقدة من البنى الجمالية. 

يحظى الكولّاج بأهمية خاصة في إستراتيجية باندي، وذلك بفقدان السيطرة على المحيط والشكل، ومن ثم استعادتها. وإلى جانب ذلك قدرته على إبداع مساحات تفتح في أعماله نوافذ نستطيع من خلالها كمشاهدين التفاعل معها بصرياً وتخيلاً. إذ يخلق الفنان في أعماله عمقاً ما من خلال تصميم دقيق لطبقات يحققها؛ بدل استئناف تقليد أن يكون إطار اللوحة مثل نافذة، وذلك عبر الاتكاء على المنظور. فعلى سبيل المثال تجمع سلسلته (أشكال نصف الحياة)/ 2012؛ بين مجالات اللون الجريئة وقصاصات الصور الفوتوغرافية التي يعيد استخدامها مع خطوط وشرائط مرسومة يدوياً بطريقة رقمية. 

ويضيف باندي لتلك القطع المتناغمة مع دعائمها أشكالاً مجردة وصوراً على المساحة السفلية للأكريليك المؤطر لكل قطعة، لتبدو عندما يُنظر إليها من مسافة وكأنها قطع نحتية منفصلة مندمجة بسلاسة مع التركيب العام للقطعة، ومع ذلك عندما ينظر إليها عن كثب فإنها تلقي ظلالاً خفيفة على الصور التي خلفها. 

إن سطوح الأكريليك في هذه الأعمال دخيلة على تركيب العمل، وعنصر فيها كذلك، لتعطي أبعاد السطوح والعمق، وتصبح آفاقاً للحرفية والمجاز في الفضاءات الإبداعية لهذه الأعمال.   

ولعل العمل الأكثر تقشفاً من (أشكال نصف الحياة) هو سلسلة باندي (H&M)/ 2014؛ وتشير الأحرف تشير إلى مواقع وادي السند، أي هارابان وموهينجو دارو. وتضم السلسلة صوراً رقمية أحادية اللون تم إنتاجها من خلال مسح مسطح لجذوع صغيرة نحتها باندي يدوياً. وتحاكي السلسلة تمثال الجذع العاري الشهير المصنوع من حجر اليشب الأحمر لهارابان (ثقافة وادي السند) (2600 – 1900 ق.م)، والمحفوظ الآن في المتحف الوطني في نيودلهي. وتعتبر هذه المنحوتة واحدة من أكثر اكتشافات وادي السند إثارة للجدل (من 3300 – 1300 ق.م/ ومرحلة الازدهار 2600 – 1900 ق.م)، خلال القرن الـ20 في المواقع التي تربط الآن جزءاً من الفجوة بين شبه القارة الهندية – الباكستانية، وتلك المنحوتة تستبق في تمثليها الشكل البشري، أي التحول الذي شهدته اليونان إلى الفن التشخيصي. 

ومع ذلك فإن باندي غير متمسك بتأكيدات الأسبقية التاريخية، ويصف تلك الأعمال الفنية المميزة من الحضارة القديمة مثل (عملات) تنتشر من أجل (ممارسات السلطة)، ولأنه نشأ في شانديغار وأقام في نيودلهي خلال الأعوام الـ15 الأخيرة؛ فقد قال باندي إن علاقته مع حضارة وادي السند تبدأ من حياته على ذاته الأرض، فهي دائماً تحت أقدامه، وكأن بينهما طيف من “التناضح الثقافي”. وأضاف بامتعاض أن معظم ثيابه الداخلية جاءت من متاجر الملابس (H&M).

وإذا أخذنا ذلك الاندماج الطبيعي لوادي السند بعين الاعتبار؛ فإن منحوتة اليشب الأحمر في عمل باندي تصبح مجرد جسد آخر، ومجرد منحوتة من بين آلاف الأعمال التشخيصية التي أنتجت واستولت عليها نظرة التصوير طوال تاريخ الفن.

انتقلنا بالحديث من هارابان إلى موهينجو دارو خلال جولة باندي المرتجلة في الصالة، وفي النهاية تناولنا موضوعات معاصرة، ونحن نشاهد (أشكال نصف الحياة) تحدثنا حول الحركة الطليعية الروسية بعد إشارتي إلى التقارب بين ألكسندر رودتشينكو (1891-1956)، وانتقاله من الرسم في عشرينيات القرن الماضي إلى تركيب الصور وتصميم الغرافيك والإعلانات العامة. 

رحب باندي بهذا التداعي بإيماءة قوية، وتلك سابقة لم تكن معروفة فقط؛ إنما تم تطبيقها. حدثني باندي عن تدربه على تصميم الغرافيك، وبينما انتقل رودتشينكو من الرسم إلى التصميم؛ اتبع هو طريقاً معاكساً. فبعدما تخرج من المعهد الوطني للتصميم في أحمد أباد عام 2001؛ بدأ عمله كمصمم، ثم انتقل إلى الفن. وعلى الرغم من أنه كان يهتم بشدة بالطباعة وتصميم الغرافيك أثناء الدراسة الجامعية، إلا أن تلك الأشكال من الإنتاج البصري لم تتح له (بناء الأشياء) بالطريقة التي سمح له بها الرسم، وهكذا، لهذا (زاوج بينهما) كما أوضح لاحقاً عبر الهاتف. 

ومع ذلك لا يزال تأثير التصميم هو ما يميز أعمال باندي. فما يتضح في أعماله التوتر بين الرسم والثقافة البصرية، وبين الابتكار الصناعي وإمكانات مساحات الكتلة اللونية. حول موضوع التصميم سألت باندي فيما إذا كان يخطط أعماله قبل تنفيذها، فاستعار لإجابته التزلج على منحدر، حيث الارتجال والسرعات المتفاوتة والتحولات الممكنة للاتجاه، حيث كل ذلك يمنح الفرصة للإبداع في مسار محدد سلفاً. المجسمات التي تظهر الشخصيات الأسطورية والأثرية والخيالية تملأ أعمال باندي، سواء كانت في الواجهة أو مختبئة تحت طبقات اللون والخط والصورة التي أبدعها، وكأنها قابعة في الفضاءات الخيالية المركبة خلف إطارات أعماله التي تشبه النوافذ، بحيث تبدو تلك الأشكال وكأنها ستستفيق وتستدير إلينا لتقدم إلينا دعوة للانضمام إليها في عالمها.

Portrait of Aditya Pande. Photo by Hemant Sareen. Courtesy the artist.