P
R
E
V
N
E
X
T

Aerial view of Lahore. Photo by Sonya Reyman for ArtAsiaPacific.

لاهور

Pakistan
Also available in:  Chinese  English
في الـ26 من شهر نيسان/ أبريل أدانت المحكمة الباكستانية العليا رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني بتهمة ازدراء المحكمة، وذلك بدعوى الإخفاق في إعادة فتح قضايا الكسب غير المشروع المتورّط فيها الرئيس آصف علي زرداري.

قبل ذلك بأسبوع تحطّمت طيارة تعود إلى شركة طيران منخفضة التكلفة في إسلام أباد، ما أسفر عن مقتل 127 مسافراً، وقد عزيت مسؤولية الحادث إلى إهمال الشركة، وفي ساعات المشاهدة القصوى تسيطر برامج الحوارات السياسية التي أصبحت نوعاً من التسلية، ويشكل كل ذلك دلائل مثيرة للقلق تشير إلى بيئة غير سويّة.

تعرّض التخطيط الحضري في لاهور إلى تقلبات عجيبة، فالمدينة بدأت تخضع بشكل متزايد للبوابات والحواجز والجدران الدفاعية بطول 4 أمتار بغرض حماية الجنود، وذلك من خلال تشكيل دعامة لفوهات بنادقهم التي تصوب دوماً على السيارات العابرة، ومثل هذه التحولات تسهم في خنق الفضاء المدني، في مزيد من الانتهاك لحقوق المواطنين باسم الأمن، وفيما يتم الاصطفاف في الطوابير بانتظار إشارة متثاقلة من الجندي المسلح تسمح للواحد بدخول أماكن ملكيته، فإن العين تبدأ بالتجوال فيما يحيط بها، ليكشف المشهد عن مضامين حياتية باذخة، قُدِّمت على شكل قصاصات لجلود براقة جلية، وشاحنات مزيّنة، وعربات هندية "ريكشة"، وأكشاك غذائية، وإلى جانبها ملصقات أفلام سينمائية تعرض لنساء في أوضاع مغرية، ورجال مغاوير.

في ثقافة “الملالي” تجد مثل تلك الصور الصريحة الفظة مكاناً لها، لكنها تتعرض للحظر فوراً حين تتم مقاربتها مقاربة فنيّة، فالأعمال التي تصوّر نساء حاسرات الرأس يتم منع عرضها في صالة عرض “الحمرا للفن” التي يديرها مجلس لاهور للفنون، كما أن صالات العرض الخاصة تتردّد كثيراً في عرض الأعمال التي فيها أية مظاهر من العري، ومؤخراً في شباط/ فبراير الماضي فرض على عرض “ساريا شيخ” المنفرد (مرآة مرآة على الحائط) الذي أقيم في صالة “روهتاس 2” أن يكون محصوراً لمشاهدات خاصة محددة خوفاً من أية قلاقل قد تثيرها الجماعة الإسلامية هناك.

في خضم هذا السيناريو العبثي، تقوم كل من جامعة “بيكون هاوس ناشيونال” و"كلية الفنون الوطنية" بتخريج وفرة من الفنانين الذين يجاهدون من أجل عرض أعمالهم في الأماكن القليلة المتوافرة، فثقافة صالات العرض في لاهور شبه غائبة، وما بقي منها يحارب من أجل البقاء، أما الأماكن الأخرى فهي في أغلبيتها تجارية، تبيع معروضاتها لزبائن يجيئونها بقطع من القماش كي يطابقوا بين اللوحات وديكورات منازلهم.

وبالمثل يكاد ينعدم أي دعم قومي للفن والثقافة، فوزارة الثقافة ظلت حتى 1995 جزءاً من الرياضة والسياحة، وفي عام 2006 فصلت وزارتا الثقافة والرياضة عن بعضهما، وتمت دعوة خبراء عالم الفن لكتابة خطة ثقافية معدّلة، وعلى الرغم من أن الخطة ظهرت إلى النور سنة 2008 فإن أياً من نتائجها لم تظهر بعد، فالوزارة تفتقر كغيرها من المؤسسات الحكومية إلى الرؤية والقيادة الرشيدة، حيث أن الوزير الحالي يحمل درجة ماجستير في الزراعة، ومع تعاقب العديد من الحكومات غير الكفء، فإن من السابق لأوانه توقّع ظهور سياسة وطنية متماسكة نحو الفن.

من الجدير الإشارة أن ظروفاً كهذه لم تمنع لاهور من إنتاج فنانين ذوي حضور عالمي استطاعوا تقديم أجناس فنية جديدة للعالم، مثل “المنمنمات الجديدة- المعاصرة” على الرغم من أن الاهتمام بهم محلياً يكاد يكون غائباً، ففنان مثل راشد رنا الذي اكتسح العالم من خلال صوره الكبيرة المؤلفة من نظائر مصغرة لها، يجد ذاته محجوزاً للمشاركة في مهرجانات كبرى ومحاضرات لسنتين قادمتين، من دون أن يكون له في الغالب ذكر في وطنه.

يبدو السبب واضحاً على الرغم من أن أحداً لم يفصح عنه، فعدم قدرة أي فنان باكستاني بارز على عرض أعماله في وطنه أمر يعود إلى قلة عدد فضاءات العرض المتاحة، وغياب شبه كامل لمنظمي المعارض والوكلاء وتجار الفن، وفنانون كبار مثل عمران قريشي وبني عبيدي ونازيا خان وحمرا عباس أسسوا شبكة من المشترين والتجار في الخارج، وسيراً على آثار هؤلاء المشاهير فإن معظم الفنانين في باكستان ينتظرون أن يقع عليهم اختيار فضاءات مثل صالة عرض “آيكون” في نيويورك، و"غرين كارداموم" في لندن، و"قندهارا" للفنون في هونغ كونغ.

وفي واقع كهذا تتناثر فيه قلة قليلة من المشترين أو المقتنين؛ فإننا لا نتوقع صمود صالات العرض لفترة طويلة، وهكذا فإن صالة “غراي نويز” التي شهدت النور سنة 2008 تطمح أن تكون صالة باكستانية بامتداد عالمي، ومن هنا جاء انتقاله من لاهور إلى دبي في أوائل هذه السنة، أما صالة “روهتاس 2” فقد صمدت بشق الأنفس خلال العامين الماضيين، فيما تناضل قيّمة “أساد هايي” من أجل تبيان ضرورة دعم الفنانين المحليين.

ومع ذلك فإنه ومع تزايد أعداد الفنانين، ونظراً ربما لظاهرة أن الفن القادم من أماكن النزاع يستقطب الأضواء في عالم الفن؛ فإن اهتماماً عالمياً متصاعداً بالإنتاج الفني المحلي في باكستان، وهو الاهتمام الذي يتصارع عليه العديد من الفنانين الباكستانيين، فالرعاية الدولية لهؤلاء هي مع الأسف كل ما بقي لهم في الوقت الراهن، في ظل غياب الدعم المحلي الذي لا يكاد يقطر عليهم، وحتى يتخطى فنانونا الصعاب فإن عليهم أولاً أن مصافحة بقية العالم، ثم العودة ظافرين إلى وطنهم، وعندهما فقط قد يتم الالتفات إلى إنجازاتهم.