P
R
E
V
N
E
X
T
Features_rania_stephan_mg_9090_web_1000

THE THREE DISAPPEARANCES OF SOAD HOSNI, 2011, 70-minute film pieced from VHS footage of Egyptian films starring Soad Hosni. Courtesy the artist. All images in this article are stills from the above video.


PreviousPauseNext

حوار في العمق مع راينا أسطفان

Rania Stephan

Features from Jul/Aug 2012
Egypt Lebanon
Also available in:  Chinese  English

تحتفل المخرجة اللبنانية المولد رانيا أسطفان في أحدث أفلامها (اختفاءات سعاد حسني الثلاث)/ 2011 بعصر ذهبي من عصور السينما، ألا وهو ذلك الازدهار الذي شهدته السينما المصرية منذ خمسينيات وحتى ثمانينيات القرن الماضي، إذ كانت تلك الحقبة مرحلة إبداع ووفرة في صناعة السينما المصرية، منحها دعماً شعبياً ونجاحاً نقدياً مكّناها من تحقيق السيادة في العالم العربي كله.

يركّز فيلم أسطفان بشكل أساسيّ على قصة الممثلة الكبيرة سعاد حسني، النجمة التي تُعرف بلقبي زوزو، وسندريلا الشاشة العربية، واللقب الأخير يعكس حقيقة صعود الأسطورة من الحرمان إلى الغنى.

أن تحكي قصة سعاد حسني أمر يشبه بالنسبة لرانيا أسطفان الاقتراب من كنز وطني، وفيلمها يعدّ أساساً تحية للفنانة التي بدأت مسيرتها السينمائية في الخمسينيات، وهي مرحلة التغير والتفاؤل العظيمين في مصر بقيادة ثورة جمال عبد الناصر الاشتراكية، حيث ظهرت سعاد في حوالي 82 فيلماً بين سنتي 1959 و1991، وعملت مع أبرز مخرجي مصر، مراوحة بين الأفلام الكوميدية والغنائية والميلودرامية، لتصبح في أولى مراحل ظهورها معشوقة الجماهير.

في بداية ظهورها شكّل سحر حضور سعاد وابتسامتها الحاضرة دوماً وشهوانيّتها الرقيقة علامات على الانفتاح والروح العلمانية التي ملأت تلك الحقبة، ومع نهاية الخمسينيات أصبحت سعاد أيقونة للنظام الجديد، ولتحرّره من نير الكولونيالية، ولروحه القومية العربية.

وفي الستينيات غدت الفنانة أكثر نضجاً بظهورها في أفلام دراما اجتماعية وميلودرامية صاخبة، استكشفت من خلالها التناقضات الكامنة في نموذج المرحلة من الأنوثة “العصرية ولكن المحتشمة” في الوقت ذاته، قبل أن تصل إلى نهاية مراحلها في الثمانينيات بأفلام أصبحت مرآة لانحدار السينما المصرية وتدهورها.

وعلى الرغم من كون سعاد واحدة من أنجح نجوم السينما وأكثرهم شعبية، إلا أنها وبطريقة سينمائية حقّة قد لاقت حتفها وحيدة منسيّة عام 2001 عقب إثر من الطابق السابع في برج ستوارت في لندن، وقد أدّت وفاتها إلى سلسلة من تحقيقات الشرطة، وظهور عدد من المشتبه بهم في قتلها، بالإضافة إلى عدّة أسئلة تحتاج إلى إجابة حول سنوات حياتها الأخيرة ونهايتها المأساوية، فهل قفزت أو دُفعت من النافذة؟ لم يتعرّض فيلم أسطفان صراحة إلى غموض نهاية سعاد حسني، ولم ينغمس في أي من النظريات التي رافقته، لكن نهاية الفنانة الدراماتيكية شكّلت الأساس الذي بنى عليه الفيلم بحثه عن سيرة صحيحة لحياتها.

هذا لا يعني أن فيلم أسطفان مجرّد فيلم سيرة اعتيادي، وإذا كانت أسطورة سعاد كمعبودة للجماهير متأصلة أصلاً بنهاية تشبه قصص هوليوود، فإن (اختفاءاتها الثلاث) ليس فيلماً وثائقياً تقليدياً يكشف حقائق عن صعودها سلّم النجومية، أو سرّ بريقها وسحرها، إنما على العكس تماما، إذ أنتجت أسطفان فيلماً تجريبيّاً أخّاذاً استند في فرضيته إلى أنّ “أفلام سعاد حسني هي خير من يتحدّث عنها”، وقد حصرت المخرجة عملها بأرشيف أفلام سعاد على مدى 30 عاماً، متنقلة بحرية بينها مثل “دي جي” يجمّع ويمزج مقاطع معينة ويستثني أخرى، وليس هناك أي ظهور لأشخاص آخرين، ولا مشاهد من مرحلة الإنتاج، ولا حتى معلومات صوتيّة، ثمة سعاد وأفلامها حصراً، بمشاهد من أفلامها، الواضحة والمغبّشة، الملوّنة وغير الملوّنة.

على صعيد البناء الفني فإن (الاختفاءات الثلاث) فيلم تركيب تماماً، حيث يفتتح الفيلم بمشهد لسعاد وهي مستلقية على مقعد محلّل نفسانيّ، فيما يسألها صوت ذكوري (ما الذي حدث؟ حاولي أن تتذكّري)، تتداخل الصور، تتكشّف بمشاهد ارتجاعية واستباقية، فيما تشرع سعاد بالتذكّر. وشيئا فشيئاً تتحوّل ذكريات سعاد إلى أحلام، ثم تتركّز جميعها في لحظة هذيان حين لا تجد الفنانة مفراً من أن تستجوب علاقتها بحياتها.

ومع أن تاريخاً طويلاً من الافتتان بسعاد يملأ أسطفان، فإن محور الفيلم يظل مقصوراً بسعاد ذاتها، إلى جانب السعي نحو تصحيح تاريخ السينما من خلال التأكيد على أهميّة السينما المصرية الأقدم في العالم العربي.

وبالفعل فإن إحدى تلك “الاختفاءات” التي يشير إليها عنوان الفيلم قد يكون التراجع الذي حلّ بالسينما المصرية، فأفلام سعاد مثلاً لا تكاد ترى هذه الأيام، وأشرطة الفيديو VHS التي سجلت عليها أفلامها قد عفا عليها الزمن، ولا نزال ننتظر أن تظهر أفلامها على أقراص “دي في دي” ذات جودة عالية، أما عرض أفلامها على شاشة التلفاز فتتعرض لمقص الإعلانات والرقيب، حتى لو كانت قبلة قصيرة، فمشكلة توزيع الأفلام المصرية الكلاسيكية هذه تظل مجرد نتيجة لمعضلة أكثر تعقيداً، ألا هي الاختفاء الحقيقي للأرشيف ذاته، والإهمال الساري في “المركز القومي للسينما” يعود إلى غياب مرافق الحفظ الكافية في المؤسسة، وإلى تعرّضها لحريقين كبيرين كانا قد سببا دماراً لجزء كبير من مجموعتها، وحتى اللحظة فإن 99% من أفلام الأرشيف الصامتة و50% من الأفلام الناطقة تعرّضت للضياع، وفي الحقيقة فإن هذا القمع السلبيّ للتاريخ السينمائي يشكلّ خطراً تراثياً له علاقة أيضاً بمشكلة الهويّة التي لم تحلّ بعد في مصر الحديثة، وهو ما يشكّل الأساس لفيلم أسطفان.

ولدت رانيا أسطفان كاتبة ومخرجة ومونتير الفيلم في بيروت سنة 1960، وكغيرها من أبناء جيلها هاجرت لبنان إبان الحرب الأهلية في السبعينيات لتنهي دراستها في الخارج، حيث درست نظرية الفيلم في أستراليا ثم في فرنسا، حيث أقامت 20 سنة، وعلى الرغم من أن وصولها إلى فرنسا كان متأخراً عن أحداث أيار 1968، فإن الثورة الثقافية في فرنسا وسينماها السياسية غدتا مع ذلك المؤثّرين الأكبرين على مهنة أسطفان السينمائية، وإلى جانب أعمالها في مجال الفيديو التي تستلهم الأشكال الأدائية والوثائقية؛ فإنها تتعاون بانتظام أيضاً مع مخرجين من أمثال سيمون بيتون (الجدار)/ 2004 و(راتشيل)/ 2009، وإيليا سليمان (يد إلهية)/ 2002، ومؤخراً تزايد اهتمام أعمالها الفيلمية تزايداً مباشراً بالعالم العربي وقضاياه، من النضال الفلسطيني (دمار: من أجل غزة، أرض البرتقالات الحزينة)/ 2009 إلى الحرب الإسرائيلية على لبنان (لبنان/ حرب)/ 2006، مروراً بالنشوء في ريف لبنان (دخان على الماء: 7×الهرمل)/ 2007.

التقيت المخرجة في دبي في أعقاب العرض الأول لفيلم (اختفاءات سعاد حسني الثلاث) في بينالي الشارقة للفنون في آذار/ مارس 2011، وتناقشنا حول الفيلم، وفي المساء التالي تلقيت اتصالاً هاتفياً منها من وسط حفل توزيع الجوائز لتخبرني بحماس (زوزو فازت!).

Features_rania_stephan_mg_9096_web_1000

يبدو فيلمك للوهلة الأولى وثائقيا، لكنه في نهاية الأمر ليس وثائقياً.. هل هذا نوع جديد من الأفلام؟

لا أظنّ أن أحداً قام مسبقاً بأخذ مجمل أعمال شخص ما وأعاد تقديمها كعمل خيالي، كان لديّ نوع من الحدس القوي، وكان من الصعوبة البالغة أن أعبّر عنه كتابياً كي أقنع الجهات المانحة بتمويل الفيلم، فالكثيرون ظنوا أن تناول عناصر خيالية وخلق خيال آخر منها ما هو إلا نزوة، ولم يصدّق أحد إمكانية أن يتحول ذلك إلى فيلم طويل، تجاوز 10 دقائق، لكنني كنت واثقة من قدرة الصور على فعل ذلك.

إنه فيلم عن مشاهدة الأفلام، عن مشاهدة أفلام سعاد حسني، كيف تحقّق هذا العمل؟ هل ثمة قصة تريدين إخبارها حول صنع ذلك الفيلم؟

تركّز حدسي الأول حول قدرتي على صنع فيلم باستخدام لقطات فيلمية، أما العامل الثاني فكان سعادتي بمشاهدة أفلام سعاد حسني التي أعادتني إلى السينما العربية، وسبب تكريسي الفيلم لسعاد يرجع ربما إلى أوّل فيلم شاهدته لها (المتوحشة)/ 1979 من إخراج سمير سيف حين كنت طالبة، وقد أمتعني الفيلم حدّ البكاء، ووقعت في غرامه، إذ كان رائع الكتابة والجمال والإثارة كأي فيلم هوليوودي شاهدته من قبل، لماذا ننبذ ثقافتنا، ولماذا لا نقوم بإحيائها؟ إخلاصي لسعاد سببه أنها على المستوى الإبداعي أعادتني إلى السينما العربية، وفتحت أمامي تلك النافذة، لذلك فإني شعرت حين ماتت أنه عليّ تكريمها وتقديم تحية لأفلامها.

(الاختفاءات الثلاث) إذن هو نوع من أفلام السيرة.. في الجزء الذي أسمّيه “قسم لندن” نرى سعاد وهي تقود سيارة تحت المطر، تقود وتقود من دون أن تنظر إلى أين تتجه، بطريقة أشبه بالسراب، وفي الخلفية نستمع إلى كلمات أغنية “الحب بعيد عن أرضه”، نستمع إليها من بعيد، كأنها تأتينا من الماضي، وبالنسبة لي تفسّر الأغنية وفاة سعاد، الافتقار إلى الحب، حب ذاتها وحب الآخرين لها، لكن من يعرف؟ الواقع يقول إن سعاد حسني رمت جسدها من الطابق السابع لبرج ستورات في لندن.

ثمة صورة في فيلمي لشخص يسقط، وفي الفيلم الأصلي الذي أخذت منه هذه الصورة لم تكن سعاد ذلك الشخص، بل كانت من يراه وهو يسقط، ترى نوال وهي تسقط، وفي الليل ترى ذاتها في المنام وهي تسقط، وبالمثل فإن ذلك المشهد الذي تقود فيه السيارة أثناء النهار في الاسكندرية وترى امرأة معلقة في بلكونة من دون أن تعرف إن كانت تسقط أم لا، وبحلول الليل تنعكس الآية، حيث تحلم نوال بأن شخصية سعاد في الفيلم هي التي تسقط، وقد كان هذا مصدر الصورة في فيلمي، لكني جعلتها تحلم بموتها، تحلم بذاتها وهي تسقط، تصحو، تسرع نحو المشرحة، وترى ذاتها ميتة.

هل يمكنك الحديث عن بناء الفيلم؟

يمكنني تقسيم مسيرة سعاد إلى 3 مراحل، ولذلك اشتمل الفيلم على 3 أجزاء لا 5، حيث ينتهي القسم الأول بهزيمة عام 1967، والثاني بحرب أكتوبر 1973، والثالث بحرب الخليج 1991، وسبب هذا التقسيم يعود إلى أنه وكما أنّ الأحداث التاريخية غيّرت في السينما فإنها غيّرت كذلك في مسيرة وتجربة سعاد حسني، وقد تتبع بناء الفيلم تلك اللحظات التاريخية الثلاث ومراحل مسيرة الفنانة التي تزامنت معها، إنها تراجيديا بأقسام ثلاث: بداية، تفتّح، ونضج، وكل قسم منها فيه مشاهد، فالأول فيه 5، والثاني 4، والثالث 3، مع افتتاحية وخاتمة، وتتنوّع أمزجة الأقسام أيضاً، فالأوّل مفعم بالنشاط والحركة.

كأنه دعاية للفيلم (تريلر)..

والثاني كأنه معجب ينظر بشغف إلى صور النساء التي جسّدتها سعاد، أما الثالث فيبدو كمن يتلاشى بعيداً، وقد كان رأيي أن على هذا الجزء الأخير أن يعبّر عن كل الأشياء الحزينة، كل الأشياء العنيفة والصّادمة، لذلك كان من الصعب تصنيفه، إذ أخذ مظهر حلم كابوسي يذكّر بأفلام ديفيد لينش، حيث تصحو سعاد ثم تحلم وتحلم وتحلم.

السّؤال الأول الذي خطر ببالي حين شاهدت فيلمك كان: ما هو هذا الذي أشاهده؟ من أين أخذت اللقطات؟ هل يمكنك تفسير عمليات مونتاج الفيلم وأساليبك، لا سيما تلك المتعلقة بتصفيف طبقات الصورة والصوت؟

أخذت كل شيء من أفلام الفيديو، كل نفس، عبارة، صورة، خدشة، موسيقى، كلها جاءت من أفلام سعاد حسني، اشتغلنا في المونتاج على الصوت والصورة بالدرجة ذاتها، وأنا منتجت الصوت عدّة مرّات، وكنت أغمض عينيّ لأسمعه، ولأرى إن كان يناسب المشهد الذي ركّبته عليه، والكلمات التي ترافقت معه، أما الإيقاع فأردته شيئاً أشبه بالنبض والتنفّس، وأنا بطبعي سريعة الحركة، لذلك أردت الفيلم متسارعاً، ما إن يستقر على “بلاتوه” ما حتّى يقفز إلى ما بعده.. أحياناً كنت أترك الصور كما هي، مع تلاعب ما بالصوت وبالإيقاع وبالنفس، وبشعوري والحدّ الأقصى الذي يمكنني تحمّله، وبالطريقة التي أحببت أن أروي من حلالها القصة، كانت الصور كلها مألوفة لي، لذلك اقتصرت منتجتي على الصوت، على الأذن لا على العين.

أنت إذن قصصت الصور بناء على صوت المشهد؟

كنت أعرف تماماً أي صور أريد، وكان هناك صوت بالطبع، سواء تزامن معها أم لا، وقد تكون هناك موسيقى أيضاً، أنهيت الفيلم أولاً ثم كان عليّ استحضار الموسيقى من دون الحوار الذي ركّب عليها، لذلك في عديد من مشاهد الفيلم تبدو الموسيقى مركّبة من عدّة مشاهد بهدف الحصول في النهاية على موسيقى الفيلم التصويرية، والمشكلة أن الحوارات في الأفلام احتوت أيضا على موسيقى، وهو ما كان عليّ أيضاً التعامل معه، وكثيراً ما جمعت قطعتين موسيقيتين معاً من مصدرين مختلفين للحصول على ذلك النوع الغريب من الموسيقى التي تصاحب الأحلام.

PreviousPauseNext

 كنت قد أخبرتني أن الفيلم يجيء من تلك المرحلة التي درستِ فيها السينما وكتبتِ أطروحة حول سعاد حسني.. أنا أقرأ (الاختفاءات الثلاث) باعتباره فيلماً عن دراسات السينما أيضاً، عن مشاهدة الأفلام، وعمّا يمكن أن تكونه السينما، بقدر ما هو عن مشاهداتك الخاصة وخبرتك السينمائية.. هذا التقليد السينمائي الذي تظهرينه في فيلمك يختلف تماماً إذن عن فن الفيديو الذي يتم إنتاجه هذه الأيام، ويظهر فيلمك كم أنت مدينة لكتابات مجلة (كراسة السينما)، إذ هو احتفالية بهذا الفن.. أودّ أن أسأل عما يمكن أن يعنيه هذا اليوم حين لم تعد السينما تحيا كما كانت؟

هذا صحيح.. يمكنك قراءة الفيلم من خلال الطبقات العديدة التي وضعتها واعية فيه، ثمة نظرة عامة على السينما في الأعوام الـ 30 من مسيرة سعاد حسني، وهي في أغلبيتها جوهر ما تمثله سعاد في تلك السنوات.. هناك أيضاً أشرطة الفيديو التي أصبحت منسيّة هذه الأيام، وما ينتج عن ذلك هو فيلم سيرة ناقص بالضرورة، لأنه يقفز ذهاباً وإياباً بين الصور وواقعها التي تحيل إليه.

إنها الذاكرة.. نتذكّر هذه الصور، صور سعاد الممثلة الميتة، وهي تحاول تذكّر ماضيها، وهي بطبيعتها صور متشظّية، إذ إنني لا أملك أية شهادة أو سيرة كاملة، كما أنها صور شخصية أيضاً لا تقدّم أجوبة نهائية.

قال لي بعض الناس: (نعم.. أتذكّر هذا المشهد جيّدا)، قبل أن يسهبوا في وصف تفاصيل مشهد فيلمي، وهو في الحقيقة مشهد مركّب.. الفيلم يعيد إحياء ذاكرتهم لكن بطريقة خاطئة، والآن يتذكّرون مشهد فيلمي لا المشهد الأصلي.

إذن فيلمك ليس معنياً بالمشاهدة فحسب بل بتذكّر المشاهدة، وبإعادة المشاهدة حين لا يكون الفيلم الأصلي حاضرا؟

ثمة تلاعب ما.. استمتعت كثيراً بتفكيك مشهد سينمائي وإعادة تركيبه بأسلوب مونتاجي المشابه لمونتاج “الموجة الجديدة” في فرنسا.. أحيانا أقطع المشهد كما يفعل غودار، أقطع أثناء الحركة.. قمت إذن بتقطيع سرد تقليدي لأفلام مصرية هوليوودية الأسلوب بطريقة “الموجة الجديدة” في الإنتاج.

درست السينما وقرأت عنها سنوات كثيرة قبل أن تصنعي أفلامك، لكن طموحك أساساً تمثل في أن تكوني مونتيراً، ومع (الاختفاءات الثلاث) فإنك تحقّقين هذا الطموح بصورة تامة، إذ فيه تكون صناعة الفيلم هي المونتاج ذاته بلا فرق.

أدركت صعوبة أن تطلب من شخص ما منتجة أفلامك، فالقسمان الأوّلان في الفيلم كتبا بداية، كل كلمة فيهما كتبت على الورق، واحتويا على بناء واضح، فيما انتمى القسم الثالث إلى مستوى آخر، إذ إنني لم أره مكتوباً من قبل، لذلك كنت مفتونة به.

عرفت أنني معه انتقلت إلى مستوى آخر حين بدأت أغوص في مادّية الأحلام في الفيلم، وكان مستحيلاً أن أكتبه على الورق أوّلاً لأنه في النهاية صورة تستدعي أخرى تستدعي أخرى في مرحلة المنتجة، لقد تملّك العمل عليّ عقلي، واندفعت في هذا الاتجاه اندفاعاً غامضاً إلى أن وصلت إلى مشهد ترى فيه سعاد ذاتها ميّتة.. لم أكن أعرف مسبقاً أن الفيلم سينتهي بهذه الصورة.. بأن ترى سعاد ذاتها ميتة، وأن تبكي ذاتها، فكل ذلك حدث في غرفة المونتاج.

تبدين هنا قريبة من السريالية.

استغرق مني المونتاج 5 أشهر قضيتها معتكفة تماماً بعيدة عن أي شيء آخر، غصت في المواد التي تجمّعت، وبدوت مثل راهبة، وكان لا بدّ من ذلك.. من الصعب على الآخرين تخيّل ذلك، لكنني عشت وحدي فقط، آكل، وأنام، وأشتغل على المونتاج.

ماذا تصنعين بعد عمل فعل كهذا؟

أصنع فيلماً روائياً، وأراني مستعدّة بعد تجربة كهذه.. لست متأكدة بعد إلى أي نوع سوف ينتمي الفيلم، وأريد أن أكون بكامل حريّتي، ولا أريد أن تكون ثمة محدّدات حتّى لو صنعته باستخدام كاميرا 8 ملم أو هاتف، ليس هناك مشكلة، فالأهم هو أن أكون حرّة تماماً كي أفعل ما أريد.

بدأت العمل على هذا الفيلم حين كنت طالبة في أستراليا قبل سنوات، وبعد ذلك بكثير، وفي المراحل النهائية من المونتاج أوائل 2001 كنت في بيروت، حين اندلعت سلسلة من الأحداث التي نطلق عليها الآن الربيع العربي.. هل هناك علاقة بالنسبة لك بين صناعة هذا الفيلم وتلك اللحظة الثورية؟ عرض الفيلم لأول مرة بعد ذلك في بينالي الشارقة حيث نال الجائزة الأولى.. كيف اختبرت تزامن كل هذه الأحداث؟

أتذكّر لحظة معينة أثناء المونتاج حين كنت أتصفّح ملفاتي حول سعاد حسني، ووقعت على مغلّف قديم جدّاً فتحته ووجدت صوراً التقطتها حين كنت أكتب أطروحتي، صوراً لأفلام سعاد حسني التقطتها من شاشة التلفاز مباشرة.

أدركت لحظتها أن تلك الصور هي ذاتها تماماً التي استخدمتها في الفيلم، لقد استولت تلك الصور على تفكيري منذ ذلك الوقت، وقد صدمت كثيراً لأنني كنت قد نسيت كلّياً موضوع هذا المغلف وتلك الصور، كأنه حين تحتلّ صورة ما عقلنا لا يعود هناك مكان لصورة أخرى. أحببت صورة معينة تعود إلى سنة 1982 تحديداً أو ما قاربها، وقد اخترت الصورة ذاتها أثناء المونتاج.

قبل 30 عاماً إذن، وهو ذات عمر رحلة سعاد حسني السينمائية.

بالضبط. والشيء الطريف الآخر هو أنني أنهيت العمل على المونتاج في ذكرى ميلاد سعاد، في السادس والعشرين من يناير، بعد يوم واحد من اندلاع الثورة. الثورة، وميلاد سعاد، والانتهاء من العمل على الفيلم، كلها تزامنت معا. كانت لحظة مؤثرة جدا.

PreviousPauseNext

ثلاثة ميلادات. من الأسباب التي أدّت إلى أن يأخذ العمل ثلاثين عاما كان صعوبة تمويل فيلم لم تستطيعي شرح فكرته بسهولة للجهات الداعمة.

الممتع في صناعة السينما المستقلة هو القدر من الأشياء غير المتوقعة في الطريق، حين أنهيت الفيلم كان عليّ توثيق المصاريف بغرض تقديمها للجهات الداعمة: مؤسسة الشارقة للفنون والصندوق العربي للثقافة والفنون "آفاق"، وشعرت أيضاً أنه علي عمل ميزانية “حقيقية” لي، لكل الأشياء غير المتوقّعة والتكاليف التي أنفقتها على الفيلم قبل حصولي على تمويل، مثل الحصول على أشرطة الفيديو، ورقمنتها، والبحث في مصر.

لأنك قرأت في سعاد حسني رمزاً لثورة 1952 المصرية، فإنني أريد استخلاص السؤال عن الممثلة باعتبارها رمزاً سياسياً وأداة للقومية.. كيف ترين سقوطها وحصيلة الثورة، ما يسمى بالحداثة المجهضة للعالم العربي؟ يبدو أنك تتبنّين إطاراً تراجيدياً لكليهما.

المدهش في مسيرة سعاد حسني السينمائية أنها ترافقت مع موجة عام 1952 الثورية وما تلاها، من البداية الحماسية، إلى الذهول الذي أعقب هزيمة 1967، ونهاية ذلك الذبول والسخرية اللذين بدأا في عصر السادات واشتدا مع مبارك، ومع انفتاح البلاد أمام الرأسمالية كي تنتفع منها جهات ضيقة في النظام وطبقة من رجال الأعمال الشبان، فقد ذلك تصاحب مع قمع شديد في المجال السياسي، وأسلمة متطرفة للمجتمع نتجت عن أموال النفط والتبشير.

إذا نظرنا ثانية إلى مسيرة سعاد فسوف نجد أنها تغطي هذه المراحل الثلاث قبل أن تتوقّف، للمصادفة المدهشة في أوائل التسعينيات، وهو ذات الوقت الذي انهارت معه السينما المصرية.. الدمار الذي لحق بها نتج عن سحب الدولة دعمها لصناعة السينما التي لم تكن قد طوّرت ذاتها تقنياً، وقد تصادف ذلك مع انتشار القنوات الفضائية في العالم العربي، والتي تجاوزت مصر باعتبارها المصدر الأول للثقافة الشعبية العربية.

من تلك اللحظة فصاعداً، أنتج كل بلد مضامينه الثقافية، ومن جهة أخرى فإن انتشار الأسلمة في المجتمع المصري يدفع المرء إلى الاعتقاد بأنه ربما كانت الحداثة المفروضة في الستينيات متسرّعة نوعاً ما، بلا قاعدة صلبة أو استيعاب حقيقي.

في أثناء الثورة المصرية قام شباب ميدان التحرير بالاقتباس من سعاد التي كانت تقول (أنا رايحة عالميدان) لم يكن ذلك غريباً، سيّما إن تذكّرنا أن سعاد كانت ملهمة الشاعر اليساري صلاح جاهين الذي كان يكتب بالعامية المصرية، ولو كانت سعاد حيّة فأنا على يقين أنها كانت ستلتحق بالميدان.

كثير من الفنانين والمخرجين اللبنانيين سلّطوا اهتمامهم على الحرب الأهلية اللبنانية وما تلاها، بالإضافة إلى قضايا أخرى تتعلّق بالذات اللبنانية.. عملك يبدو مختلفاً عن ذلك السياق، فاهتمامك مثلاً بتاريخ الفيلم كما بدا في (الاختفاءات الثلاث) يعالج ثقافة الميديا في المنطقة، والثقافة الشعبية، وقضايا قومية عربية أخرى.. كيف تفهمين المكان الذي تموضعت فيه؟

كإنسانة مهتمة بالدراسات السينمائية – أو لنقل مثل (تلميذة) غودار – فإنني شعرت دوماً بأنني حرة في مقاربة كل أنواع الصورة السينمائية من شتى الثقافات الغربية أياً كان مصدرها، وفي الحقيقة لا تعرف الثقافة الغربية الحدود الجغرافية الصارمة، فالموجة الجديدة في فرنسا مثلاً استلهمت (الفيلم نوّار) الهوليوودي، وهكذا.

وأنا أرى أن هذه الممارسة وسّعت من ثقافتي الذاتيّة، وهو السبب الذي جعلني مهتمة بالثقافية العربية كلها، لا اللبنانية وحدها، فواقعنا في العالم العربي متداخل حتى لو امتلك كل منا تواريخ وأنظمة ومجتمعات وخصوصيات ثقافية مختلفة، فلسطين مثلاً تظل في صميم الوعي العربي أياً كان البلد العربي الذي تنحدر منه.

الفنانون اللبنانيون بشكل عام اعتادوا النظر صوب الثقافة الغربية بحثاً عن الإلهام، معتبرين الثقافة العربية مصدراً ثانوياً من مصادر التأثير، كما يميلون غالباً إلى اعتبار الثقافة الشعبية العربية نوعاً منخفضاً من الثقافة.. لماذا على ثقافتنا الشعبية أن تكون أقل قيمة من الثقافات الأخرى؟ إنه سؤال مهم ذو علاقة بماضينا الكولونيالي، لكنني أظن أن الأشياء في طريقها إلى التغير، وأن الربيع العربي يسرّع ذلك، والفنانون الشباب في لبنان بدأوا يوسّعون اهتماماتهم بعيداً عن حدود التجربة اللبنانية.

مشكلة الكولونيالية وسؤال إنهاء الكولونيالية الذي يشغلك يعيدان للذاكرة مصطلح “السينما الثالثة” الذي يهدف إلى تحرير الثقافة باستخدام سلاح السينما المضادّة.. هل سينماك سينما مضادة؟ هل لا يزال للمصطلح معنى حين نرى أن متحف الموما اشترى حقوق فيلمك؟ هل لا يزال الفيلم/ الفيديو أداة ثورية؟

لا أعتقد أن الأفلام تصنع الثورات، لكنها تفتح الوعي، أي العيون، الآذان، القلوب، والرغبات، إنها نوافذ للعالم، لمشاهد أخرى، كأنها دعوة للتخيّل.

يمكن طبعاً أن تستخدم الأفلام بطرق أخرى غاية في الاختلاف.. هذا الفيلم محلّي الصنع، عملته بمفردي تماماً، بلا إنتاج، وعكس التيار… هل هو ثوريّ؟ لا أعرف، ولست أنا من يقرّر ذلك، لكنني سعيدة أنه محفوظ في مكان مثل متحف الموما، وكوني لبنانية، فإن تاريخي الذي أحمله يجعلني أظن أن أي شيء يمكن أن يكون عرضة للاختفاء إلى الأبد وفي لحظة خاطفة.. ذلك هو السبب الذي يجعلني سعيدة حين أرى الفيلم محفوظاً بعناية حيث يمكن للناس أن يشاهدوه.