P
R
E
V
N
E
X
T
Features_simryn-gill_01_1000

MAY 2006, 2006, gelatin silver photograph from a series of 30 rolls of discontinued film, used to photograph the artist’s immediate neighborhood in Sydney every day for the month in which it expired, 12.7 × 17.8 cm.

MAY 2006, 2006, gelatin silver photograph from a series of 30 rolls of discontinued film, used to photograph the artist’s immediate neighborhood in Sydney every day for the month in which it expired, 12.7 × 17.8 cm.

MY OWN PRIVATE ANGKOR – #14,
2007–09, gelatin silver photograph, 69 × 61 cm.

MY OWN PRIVATE ANGKOR – #7,
2007–09, gelatin silver photograph, 69 × 61 cm

ضد الفراغ: الفضاءات الساكنة عند سيمرين غيل

The Inhabiting Spaces of Simryn Gill

Features from Mar/Apr 2013
Australia Malaysia India
Also available in:  Chinese  English

في 4 أيار/ مايو 2006 كان هناك تحذير من أن عاصفة تسونامي ستضرب فيجي ونيوزيلاندا بُعيد الزلزال الذي ضرب تونغا، وفي سوذبي بنيويورك كانت تباع لوحة بيكاسو (دورا مار والقطة)/1941؛ في المزاد العلني مقابل 95 مليون دولار أمريكي لتصبح ثاني أغلى لوحة في تاريخ المزادات، وفي ضاحية هادئة داخلية في سيدني كانت سيمرين غيل تخرج من بيتها من دون أية أجندة واضحة، سوى استخدام لفافة لفيلمٍ أبيض وأسود على وشك التلف.

كانت غيل تقارب مسعاها هذا بسعة أفق متعمَّدة، إذ تقف هنا وهناك كي تحاور الجيران والغرباء، وتلتقط صور الأشياء والمشاهد التي استرعت انتباهها، وكانت النتيجة 9 صور هي: كرسيان صينيان مطليان وموضوعان في حديقة أمامية تناثرت أوراق أشجارها، مركز التسوق المحلي وما فيه من مصابغ Nu Style ولوازم صحية من بكين، سماء مشبعة بغيوم وأسلاك كهرباء تبدو فوق سيارة وولزيلي قديمة مرتطمة بحافة الطريق، بيت مشيد بالأسلوب الإسباني مليء بأشجار البلوميريا، صاحب دكان لا تُظهر الصورة ما فوق أنفه يستطلع الواجهة التي صُفَّت فيها أوعية بلاستيكية، عيون طائر فوق شجرة لحظة صفاء السماء، اختراق أشعة الشمس جسر سكك حديدية، شرائط من الظلال على طول ممر تناثرت عليه الغرافيتي، رصيف محطة قطار خالٍ سوى من وعدٍ وشيك بالوصول أو المغادرة.

وفي كل يوم من أيام الشهر ستفعل غيل الشيء ذاته تقريباً لتملأ 30 لفافة من الصور، ولما سيصبح لاحقاً سلسلتها (أيار 2006).

بدا هذا المشروع بسيطاً للغاية وخالياً من الهموم حد الفرح بانغماسه في اليومي البسيط، لكن التصميم على إكمال هذه المهمة – بما يفترضه من الاستعداد للفرص والمصادفات غير المتوقعة- ساعد غيل التي تشتهر بأعمال تجسّد تجربة التوسطية من الوصول إلى فهم جديد لموقعها في هذا العالم، وتسترجع ذلك بالقول: (حين تمشي ببطء وتنظر في الأشياء، فإن هناك دوماً من يوقفك، شخص يرغب بإراءتك زهرة، أو ممن يقلّمون أشجارهم، أو ممن يسألونك من أين أنت، وحينها تجيب: لا؛ أنت من أين؟ ألمانيا ربما؟ إيرلندا؟ لا أعرف، أنا أسترالي، حقا؟ طيب قد أكون أنا كذلك أيضاً على الرغم من أنني لم أغيّر أوراقي بعد.. ثم تدخل في تلك المحادثات الغريبة.. كم كان ذلك رائعاً للغاية)، وعن تلك المرحلة كتبت غيل: (بدأت أرى المكان فعلاً لا اسماً، إن المكان يوجد في أفعالنا، في المشي والكلام والعيش).

تحولت الفنانة إلى صانعة، فأصبحت موادها الواقع اليومي الذي لا مهرب منه في ماريكفيل الضاحية المعروفة بتنوعها العرقي الهادئ، حيث تعيش غيل منذ منتصف التسعينيات بعيداً عن بهرجة بيتها الآخر في بورت ديكسون بماليزيا حيث ترعرعت وتملك قاعدة للعمل والإبداع، وبعيداً عن ملامح الآخر الغرائبية التي أضافتها خلفيتها الآسيوية لفنها أحياناً في العيون الغربية؛ فإن الفنانة تكشف عن ذاتها بشكل جديد تحت الضوء الأسترالي القاسي أحياناً، متنبّهة تماماً للطبيعة الخاصة للمكان التي وجدت ذاتها فيه.

في الدورة الـ55 من بينالي البندقية في حزيران/يونيو من هذا العام ستمثل غيل أستراليا بوصفها فنانة من أصول بنجابية درست في الهند وإنكلترا قبل أن تصبح ناقدة بحذر لتصلّب بلدها بالتبني تجاه قضية اللاجئين السياسيين، لا سيما في عملها (قوارب من ورق)/2009؛ الذي دعا الجمهور لبناء سفن من صفحات موسوعة بريتينيكا عام 1968، وتبدو غيل واعية لحجم المفارقة الكامن في ذاك التمثيل، معترفة: (إنها دعوة مرعبة، تأسرني فكرة عدم ثباتنا واستقرارنا، لكنني في العمق أعمل أيضاً ضمن خصوصيات وشروط بالكيفية التي نسكن فيها مكاننا، سواء كان ذاك المكان مجموعة من الأفكار، أو شيئاً مادياً أو متحركاً، وصوتي ليس ممثلاً، بل هو في الحقيقة نقيض لإمكانية التمثيل، والتمثيل في النهاية فكرة غريبة).

الغريب كذلك الاعتقاد بإمكانية أن تمثل غيل أي شيء خلافاً لحساسياتها الخاصة جداً والمراوغة غالباً، والتي وصفتها الفنانة ذاتها بالزئبيقية: (علاقتي بالمكانية متزعزعة جداً ومتأرجحة نوعاً ما، هذا هو الموقع الذي أحتله).

تحدّت غيل تصنيفات الإبداع الفني بحزم يشبه تحدّيها للهوية الجغرافية، وسيكون مدهشاً أن نرى فنها يحتل الجناح الأسترالي في قلب بينالي البندقية، وقد صُمم الجناح كبناء صغير مؤقت على يد المعماري الأسترالي فيليب كوكس عام 1988، وعِيْب أحياناً لأنه يشبه كتلة مرحاضية أو فناء خلفياً، ومن المقرّر أن يُجرف الجناح نهاية البينالي في تشرين الثاني/ نوفمبر لإفساح المجال أمام جناح أضخم سيفتتح عام 2015، وسيكلّف 6.2 مليون دولار أمريكي.

بهذا المعنى فإن إنشاءات غيل ستخلّد موقعاً على وشك الانهيار، وهو ما يعني مواصلة اهتمامها باستكشاف حالات الوسط والبين بين لمشروعات بنايات منهارة، وقد بدأ ذلك مع سلسلة صورها (الوقوف بلا حركة)/2000؛ وفيها ترمي الفنانة بشباكها عبر شبه جزيرة ملايو ملتقطة آثار الطفرة الاقتصادية الأخيرة وعودتها إلى الطبيعة، قبل أن تحوّل تركيزها على إسكان عقاري مهجور قرب بورت ديكنسون في سلسلتها (أنغكوري الخاص)/ 2007- 2009؛ ولم يكشف هذا العمل الأخير عن استدخال الفنانة لنظرتها الخاصة فحسب، بل عن حالة خاصة من تعليق المكان والزمان من خلال التزامن مع الضوء لحظة انعكاسه عن ألواح زجاجية مزاحة في الإسكان المنهوب.

من إذن سيكون أفضل من يلتقط الضوء المحتضر لجناح فيليب كوكس المحكوم عليه بالفناء؟

تبدو غيل محترسة من مشاركتها في البندقية، لكن عملها سيكون جزءاً من سلسلة (الزفير)/2010؛ المكوّنة من رسومات تضم نصوص كولاج، وتشبه أسراباً من الحشرات أو الطيور، وقد قادت تلك السلسلة إلى حصول الفنانة على منحة بحث عام 2012 في معهد سميثسونيان في العاصمة واشنطن، حيث قضت شهراً وهي تدرس مجموعتهم من غشائيات الأجنحة: النمل، النحل، النمل الأبيض، والدبور، وثمة مجال آخر لمشاركتها في البندقية يكمن في قيامها العام الماضي بعدّة رحلات ميدانية في أستراليا، حيث صوّرت من الجو الألمنيوم والنحاس والذهب في مناجم نادرة.

وعلى الرغم من شكوك غيل من إمكانية أن تمثل أعمال كهذه وطناً، إلا أن ذهنها ليس خالياً تماماً من فكرة التمثيل: (إن أعمالي تتحدث أيضاً وبشكل حادّ عن السياق، عن التفاصيل الدقيقة المحدّدة للسياق، وأظن أن أنظمة أجنحة العرض في البندقية هي نوع خاص جداً من السياق، لذلك أرى أن المرء لا بد أن يفكّر من داخل ذلك أيضاً، ليرى إلى أين يمكن أن تأخذه).

تحاول غيل الابتعاد عن الصخب العلني المصاحب لتجربة البينالي، منجذبة بدلاً عن ذلك إلى التصريحات الخاصة حول الهوية الاجتماعية، مع ما تملكه من فضول هادئ والطمأنينة الخفية  التي تسمح لها باختراق أسطح الأشياء، خالقة غريزة فنية للسبر والاستبطان.

في لغة الملايو حيث موطن الفنانة الآخر مفردة (دالام) – أي داخل -، وهي الكلمة التي أصبحت عام 2001 عنوان السلسلة التصويرية التي شهدت لأول مرة عرضاً علنياً لأسلوبية الفنانة البارعة، وعبر مسافة مهذبة وعلى مدار شهرين التقطت غيل 258 صورة لغرف استراحة في شبه جزيرة مالايو، محوّلة آنذاك تلك الأماكن إلى ما يشبه المقامات، وقد منحت الفنانة ذاتها فرصة نظر واحدة في كل منزل، وكل صورة تم توثيقها ظهرت في السلسلة التي رُتِّبت ببراعة على لوحة تذكّر بأسلوبية الثنائي بيرند وهيلا بيشر، وذلك فوق 3 جدران في صالة عرض نيو ساوث ويلز للفنون في سيدني عام 2002.

توضح الفنانة كيف أن تلك القواعد التي فرضتها على ذاتها ساعدتها على فك مغاليق الطرق نحو أسرار ورغائب مخفية: (معظمنا نحن الفنانين يحب الجمع بين بضعة دوافع مختلفة أو حالات فضول أو ذرائع، وبالنسبة لي العمل ضمن عوائق هو غاية في الأهمية، من أين تأتي فكرة أن الحرية هي أن كل شيء ممكن؟ الخيار المطلق كابوس يعيق عن الحركة، علينا أن نضع أمامنا عوائق كجدار تريد تسلقه لتنظر خلفه).

يذكّرنا هذا الكلام بدافع مشابه كان قد أخذ غيل نحو عالم صناعة الفن بعد أن انتقلت عام 1987 من كوالالامبور إلى أديليد مع زوجها ساوتشاو ياو عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وبعينها المرهفة والتصنيفية قامت الفنانة – التي لم تكن محترفة بعد – بالتقاط وتجميع الأشياء التي ترغب بها من المحال المستعملة والجمعيات الخيرية، وكأنها تتبيّن ملامح وطنها الجديد من خلال اللمس والشم، وفي عملها المبكر (ألسنة متفرعة)/1992؛ تناثرت على أرضية صالة العرض صفوف من أدوات المائدة الفضية وفلفل أحمر حار بشكل حاشية مستديرة تطرح قضية امتزاج الثقافات من جهة، وتبدو كعلامة سؤال من جهة أخرى، وما يعد في الحقيقة مركزياً في أعمال كهذه وفي كل أعمال غيل عموماً هو سؤال ما فتئت الفنانة تسأله: (ما الذي نفعله نحن الفنانين؟ ليس هناك جواب لفظي بالطبع.. الجواب هو الفعل ذاته).

تلك القدرة الهائجة المتواصلة على طرح أسئلة كهذه ستظهر ثانية في (أين أرسم الخط؟)/2012، وهو عمل نصي أخير أنجزته غيل كي يعرض في دوكيومينتا 13 في كاسيل، وقد قامت الفنانة هنا بتحرير وطباعة وترتيب 7 مقالات كتبتها لتظهر على 7 لفائف من الطومار أي الورق، من دون وجود مسافات بين الحروف، والنتيجة هي أن ما يظهر من بعيد يبدو وكأنه لون رمادي أحادي يكشف عند النظر المتفحص عن قصاصات حية مليئة بأفكار مثل: (المعاملمصنوعة) أو (القصصمضحكة) أو (قرأتهذهالمقالة).

ومن جديد تقوم غيل بمساءلة ذاتها بالقدر الذي تسائل فيه عملية صناعة الفن واستقباله التي يشترك فيها الفنانون والجمهور، وهي الموضوعات التي تواصل شغلها لذهن الفنانة بعد شهور: (هل نحن الآن عالم من الصُّنّاع لا النُّظّار، والكُتّاب لا القُرّاء؟ أنا مترددة مثل العادة في تحديد المواقع، وما أفعله هو طرح أسئلة فقط في أعمالي.. وها قد فعلت).

يعدّ عمل (أين أرسم الخط؟) حلقة أخرى من حلقات ما يبدو أنه نهمُ غيل بالكلمات، أي كيف تُنتج وتنتشر، وكيف تواصل سيطرتها على أفكارنا، وفي عمل (عناق)/2007؛ تفرك الفنانة حجر غرافيت بآلات كاتبة مهملة من محاكم قانونية قديمة في مومباي لتظهر آثارها على أوراق بيضاء، وكأنها تسعى لاستحضار أرواح الكتبة والمراسلين المجهولين الذين طالما حُشروا أمام تلك الآلات الجميلة وهم يؤدون وظائف رسمية تافهة، ولا شك أن الجنود الحقيقيين والحراس الأساسيين في عالم الكلمات هذا هم الكتب، وغيل تستخدم بالطبع ترسانة منها بغية تحقيق مآربها الثورية.

ظهرت أولى علائم فتات الصفحات الممزقة في أعمال تصويرية مثل عمل (بلا عنوان)/1994، وسلسلة (الغابة)/ 1996-1998؛ سواء اتخذت شكل نباتات طفيلية أو بدت ملفوفة على جذوع الأشجار، وعاجلاً سوف تصبح بقايا الكلمات المثيرة هذه المادة الأساسية لفن غيل.

في سلسلة جارية من توكيلات خاصة بدأتها غيل عام 1999 بعنوان (دُرَر) تأخذ الفنانة كتاباً من صديق أو أحداً تعرفه، ثم تعيده بعد عمليةٍ خيميائيةٍ فنيةٍ مضنيةٍ إلى سلسلةٍ من الخرز، محولةً الكلمات التي أنتجها العقل إلى شيء ملموس في تنويعة علنية أكبر حجماً على العمل ذاته، حيث اشتغلت الفنانة على (9 مجلدات من الأعمال الكاملة للمهاتما غاندي)/2009- 2008؛ داعية الجمهور للجلوس على الأرض، مع محاولة استيعاب تلك المجلدات التي تعود إلى عام 1969، والتي اختُصرت الآن بشكل كرات بوتشي مرمية على الأرض، وهنا يبرز بوضوح دافع حسي متجسّد في تلك التلاعبات اللفظية الملبوسة الصامتة الملموسة.

Features_simryn-gill_07_1000

WHERE TO DRAW THE LINE (detail),
2011–12, ink on paper, 105 × 189 cm.


FOREST – #14, 1996–98, gelatin silver photograph from a set of 16 images, 120 × 95 cm.

تقول غيل: (أنا أعشق الأشياء التي ينتهي بها الحال في فضاءات بيتوتية، وكيف تنمو وتتقلص وتنكسر وتتلطّخ وترمى بعيداً أو تحتل موقعاً نفيساً، وإن وضع تاريخك الشخصي على أشياء تملكها هو أمر أشبه بفعل الحب).

لكن ثمة بعد سياسي يمكن تبيّنه في أعمال غيل، فقد ولدت الفنانة عام 1959 بعد حصول مالايو على استقلالها من المملكة المتحدة، وقبل تأسيس دولة ماليزيا التي ضمت لفترة وجيزة سنغافورة أيضاً، وبالتالي تحتلّ أعمال غيل مكانها بقوة في هذا السياق، ومن خلال ميراث ثقافي يضم الأدب البريطاني والديموقراطية وظهور الفن المفاهيمي، ما يجعلها مقاومة الفراغ الذي كثيراً ما دعت إليه مدارس ما بعد الاستعمار والحداثة.

إن أحد أهم أعمال الفنانة هو (بلا عنوان) الذي قدّم عام 2006 في المتحف اللندني تاتي موديرن، وفيه تم صفّ أكثر من 100 كتاب على طاولات وكأنها خراف على مذبح، وقد تُرك الكثير منها مفتوحاً بعد إزالة أجزاء من صفحاتها، فيما عُرضت من خلال حقائب شفافة مجاورة رزم من كلمات متطابقة جرى تجميعها من هذه المجلدات، مثل (الآن) أو (لأنّ) أو (ثم) وغيرها، وذلك في زعزعة جماعية جعلت من المعاني المألوفة لهذه الكلمات حضوراً أكثر تشاؤماً، وكما لاحظ الأنثروبولوجي مايكل توسيغ فإن اختيارات غيل للكتب إنما نمّت عن وعي مقصود تماماً، بدءاً من كتاب (طالب إفريقي في الصين)/1963 للمؤلف إيمانويل جون هيفي وحتى كتاب (السحر والخرافة الصينية في مالايو)/1955  لكاتبه ليون كومبر، والكتب تحكي نوعاً آخر من الزعزعة، زعزعة الثقافات لا الكلمات، غير أن غيل تقدّمها في سياق آخر مثير تماماً للأعصاب، فتقول: (لكل شيء خصوصيته، وللكلمات التي مزّقتها أنا من الكتب أيضاً.. مثلاً لكل (لأنّ) في هذه الكتب سياق خاص ومحدّد تظهر فيه، لكن عندما تستخرجها وتضعها جميعاً وحدها، فما الذي تعنيه؟ هل ثمة (لأن) عامة اعتيادية مطلقة؟ بأي خط ستطبع؟ على أي ورق؟ بأي لون حبر؟ ما حجم الخط؟ ما معنى أن يكون الشيء عامّاً؟ ليس هناك برأيي شيء اسمه الفراغ.. إنها فكرة تنتج عن السلطة.. عن المركزية البيضاء في العالم).

يتخذ رفض الفراغ شكله الأكيد الأكثر وضوحاً في صور غيل، صور لا توثّق، تصف أو تعمّم، بل تسكن، تحتلّ العتبات الفاصلة بين البشر والطبيعة، بين الضوء الفاصل بين الفجر والغسق، وذلك حين تكون حواسنا في قمة تيقظها للشعور والرؤية، والفنانة تسبر تلك العتبات في عملها (أنغكوري الخاص)/ 2009-2007؛ إذ عكفت على تتبّع الضوء الراشح في الغرف المهجورة التي فُقدت مثل كتب غيل، وهي الدلالات الطبيعية للحضارة.

حين وُوْجِه نقّاد نيويورك في ذروة الصيف بتلك الدواخل المغرقة في الغرابة وحتمية الانحدار أجروا مقارنات بينها وبين أسلوبية فرانشيسكا وودمان والويست كوست البسيط، لكنني أراها منغمسة في إحساسها الخاص بالزمان والمكان.

تخترقنا تلك الصور بالمعنى الذي قصده رولان بارت من الكلمة، أي أن الأغطية المنزوعة من نوافذ الزجاج تمثل في كل صورة نوعاً من نقطة فاصلة قشرية punctum لا تقوم بعكس الحياة النباتية الخصبة بجنون والمهملة في الخارج فحسب، بل تذكّرنا بكل الوجوه والحيوات التي لن تعيش أو تخرج من تلك الغرف، فتأخذنا الصور إلى حيث بدايات فن التصوير ومعجزاته المدهشة، أي أن تُوْقف الفنانة الزمن وتثبّته على صفيحة زجاجية تصويرية، وتكشف عن ذلك العشق الذي تكنّه لمادية التصوير ذاتها، والتي دفعتها إلى إيجاد بؤرة تركيز حميمة داخل الإطار، وإذا نظرنا إلى المشهد من وجهة نظر غيل فسوف نجد أننا لسنا في الماضي، ولا في المستقبل، بل في الحاضر فقط، فالتصوير بالنسبة إليها: (أن تأخذ شيئاً ما إلى الشريط الفيلمي وتتركه هناك مثل حشرة في حجر الكهرمان، فهو مثل تلك النقطة التي وضعت عليها الديناصورات آثارها، وستبقى إلى الأبد).

في صور غيل يصبح الغياب ذاته حضوراً آخر، شيئاً نقيضاً للفراغ، والفنانة تذكرنا بتلك الحقيقة عبر مزجها السلس بين الشعر والجوهر في سلسلتها التصويرية (البحث عن مارسيل)/2005؛ مستلهمة من أعمال المفاهيمي البلجيكي الغامض مارسيل برودثايرز، وتحديداً من فيلمه (برلين، أو: حلم مع قشدة)/1974؛ الذي يُرى فيه الفنان وهو يقرأ جريدة  وجالس على طاولة مغطاة بأربطة حذاء، فيما تُلطّخ قشدة نظاراته، ويراقبه ببغاء جاثم فوق شجرة نخيل موضوعة داخل وعاء في زاوية الغرفة. في محاكاتها الاستوائية للفيلم نقلت غيل المشهد إلى الخارج حيث حديقة تحف فيها وفرة من أشجار النخيل في بورت ديكسون، أما الشخص الموجود في الصورة الأصلية فقد تلاشى في الضوء المعتم، واستبدل بنظارة وضعت إلى جانب أواني ضيافة الشاي الإنكليزي فوق صحيفة مطوية على الطاولة لطّخت هذه المرة بثمرة البابايا اللزجة ذات اللون الكهرماني.. ليس هناك شيء نظيف وغير إشكالي في هذه الحالة الخاصة من “الوراثة” الفنية، وما نراه في الحقيقة هو مثال من الفوضى اليومية المتعلقة بالبقاء الثقافي بكل طهارتها ونجاستها، وكما تحب سيمرين غيل أن تقول: (علينا جميعنا أن نتعايش مع تواريخنا).