P
R
E
V
N
E
X
T

Limited-edition Andy Warhol-inspired Campbell’s soup cans. Courtesy Campbell’s Soup Company, Camden.

ANDY WARHOL, Campbell’s Soup II, 1969, screenprint on woven paper, 88.9 × 58.4 cm. Copyright the Andy Warhol Foundation for the Visual Arts. Courtesy the
Andy Warhol Museum, Pittsburgh.

تلك العلبة الصغيرة القادرة: آندي وارهول وعلبة حساء الطماطم

Also available in:  Chinese  English

غالباً ما يوصف آندي وارهول الأمير المدهش في الفن الشعبي بأنه رؤيوي حالم، خلط الفن الراقي بالإنتاج التجاري الهابط، وانتقل من تاجر للمشاعر الرخيصة – وفق تعبير جريدة التايمز- إلى امتلاكه فهماً خارقاً لقوة كلٍ من سيكولوجية المستهلكين والعلاقات العامة في الستينيات.

كان تأثير وارهول هائلاً في تطور فن الأشياء الموجودة، وفي مزج الفنون الجميلة بسلع المستهلكين الشعبية والفاخرة، وهما حركتان لا تزالان تغمران عالم الفن اليوم.

بعد وفاة وارهول المفاجئة عام 1987 إثر مضاعفات أعقبت عملية استئصال للمرارة؛ ظهرت إلى الوجود مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية، تماشياً مع وصيته لإدارة مقتنياته، وذلك بهدف دعم الفنون البصرية، وخصوصاً الفنون التجريبية المتحدّية للمألوف، وقد أثبتت نشاطات المؤسسة أنها لا تقل إثارة للجدل عن وارهول ذاته.

وفي أوائل عام 2012 تم حلّ مجلس الاعتماد الفني في المؤسسة بعد 16 عاماً من تأسيسه، على خلفية العديد من القضايا الإشكالية حول الاعتماد ومكافحة الاحتكار، فقد اتخذ المجلس في نيسان/ أبريل 2011 قراراً محرجاً تجاه قبوله العشرات من منحوتات صناديق “بريلو” التي اعتُمِدت كأعمال فنية تعود إلى عام 1968، أي بعد 3 أعوام من وفاة وارهول، والتي اتضح لاحقاً أنها زُيِّفت عام 1990، وبالإضافة إلى ذلك انفاق المجلس 7 ملايين دولار أمريكي على الدفاع ضد دعوى قضائية أقامها مقتني الفنون جو سيمون- ويلان الذي ادعى فيها أن سلطات الاعتماد العشوائية للمؤسسة ما هي إلا جزء من خطة 20 عاماً من الفساد والتواطؤ والتلاعب بهدف احتكار سوق وارهول، ففزع مقتنو الفنون من احتمال تملّكهم أعمال غير معتمدة لـ وارهول، فهرعوا إلى إدراج أعمالهم في كاتالوجات المؤسسة، والتي تم النظر إليها كواحدة من آخر الوسائل الموثوقة لعملية الاعتماد.

في أيلول/ سبتمبر من العام ذاته فجّرت المؤسسة مفاجأة، وذلك بقرارها بيع مجموعتها الكاملة البالغة 20 ألف عمل من أعمال وارهول، والتركيز حصرياً على إعطاء المنح، وهو نشاطها الرئيس الآخر.

ووسط مخاوف من كسادٍ وشيكٍ وكارثي في سوق وارهول؛ فقد تم بيع 354 عملاً له في كريستيز في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، محققة أكثر من 17 مليون دولار، وقد شبّه ألبيرتو مغرابي الذي تملك عائلته واحدة من أكبر مجموعات وارهول في العالم؛ قرار المؤسسة بـ (إرسال قطعان من الماشية نحو الذبح)، أما العارفون بمدى تلذّذ وارهول في قلب تقاليد عالم الفن في حياته؛ فربما يرون أنه سيكون في الواقع مسروراً بما يحصل.

انقضى ربع قرن على وفاة وارهول ولا تزال صوره تحتلّ موقعاً لافتاً في الوجدان الشعبي، ويعود ذلك جزئياً إلى إستراتيجيات الترخيص العدوانية والمربِحة للغاية التي تنتهجها مؤسسة وارهول التي حوّلت ممتلكات الفنان إلى منجم ثراء، متساهلة في ترخيص صوره للاستخدام، فوق وفرة من البضائع الاستهلاكية التي تراوحت بين شامبانيا “دوم بيريغنون”، وأحذية “فانز” الرياضة، وأدوات التجميل "نارس"، وعطر “بوند 9”، وشركات أزياء عديدة مثل “غاب” و"ليفايس" و"ديان فون فورشتينبيرغ"، وفي عام 1997 وصل دخل المؤسسة السنوي إلى 400 ألف دولار أمريكي من عائدات الترخيص، ليصل بعد عقد من الزمان إلى مليونين، فيما تمثلت إحدى أكثر صفقات الترخيص إبداعاً لعام 2012 في تعاون المؤسسة مع شركة كامبل للحساء من أجل إصدار “كميات محدودة” تصل إلى 1.2 مليون علبة حساء الطماطم، مزينة بألوان واقتباسات وارهوليّة، وذلك إحياءً للذكرى الـ50 للعرض الأول للوحات وارهول (علبة حساء الطماطم) الخالدة، ومن المفارقة تذكّر أن ذاك العرض الذي استضافته صالة عرض فيروس في لوس أنجلوس في شهر آذار/مارس 1962 لم يشهده سوى جمع قليل، حتى أن وارهول ذاته كان غائباً، وعلى طول جدار صالة العرض صُفّت باستهتار 32 صورة بوتريه لعلب حساء الطماطم، تمثِّل كل واحدة منها مذاقاً مختلفاً، وكنوع من الردّ الساخر قامت صالة عرض مجاورة بتكويم عشرات علب الطماطم الحقيقية على نوافذها، معلنة عن بيع الواحدة بـ20 سنتاً، لكن المعرض نجح في نهاية المطاف، وذلك بإشعال نقاش حاد مصحوب بتغطية إعلامية، وهو ما كان بالطبع موضع ترحيب وارهول.

في عام 1964 احتضنت صالة عرض بول بيانشيني في مانهاتن معرضاً جماعياً لفناني البوب بعنوان (السوبر ماركت الأمريكي)، وفيه طرح وارهول لوحة علبة حساء الطماطم بسعر 1500 دولار أمريكي، إلى جانب كومة من علب حساء حقيقية موقّع عليها، لم يتجاوز سعر الواحدة 6 دولارات، لكن اليوم تشكل لوحات (علبة حساء الطماطم) المطبوعة بالشاشة الحريرية واحدة من أشهر أعمال الفن الأيقونية في فترة ما بعد الحرب، فغدت العلبة ذات اللون الأحمر والأبيض الواقفة باستقامة ومن دون أي انفعال في المكان؛ محكّ اختبار مفاجئ للوسط البرّاق الفارغ والمشبع بوسائل الإعلام والإنتاجات الضخمة، والذي عاشت فيه الثقافة الأمريكية أوائل الستينيات، وقد نُظر إلى توسل وارهول بالتكرار الآلي وطباعة الشاشة الحريرية الناتجة عن خبرته كرسام تجاري بالغ النجاح؛ لعنةً على فلسفة وتقتنيات أقرانه العاملين في نطاق “التعبيرية المجرّدة”، وكان من الواضح أن داخلَ الرسّام التجاري يقظٌ تماماً للتلاعب برغبات المستهلك الأمريكي، وفي كانون الأول/ ديسمبر 1962 أشاد مايكل فرايد في مطبوعة آرت إنترناشيونال (بقدرة الفنان الأكيدة على السوقية)، أما مارسيل دوشامب الذي كان معجباً بعمل وارهول؛ فكثيراً ما رُوِي عنه قوله: (ما يدهشنا ليس المشهد الناتج تحديداً عن أخذ شخص ما 50 علبة حساء طماطم ووضعها على قطعة قماش، بل فكرة أن تريد وضع 50 علبة حساء طماطم على قطعة قماش).

في حقبةٍ لم يكن معها فن الأشياء الموجودة واللافتات مرتعاً خصباً بعدُ للإثارة والدعاوى القضائية في حقوق النشر؛ لم يسعَ وارهول البتة للحصول على ترخيص من شركة كامبل لخلق لوحات علب الطماطم، وحسبما تقول الأساطير فإن الشركة فكّرت بدايةً بمقاضاة الفنان قبل أن تقرّر نهاية المطاف أن الإستراتيجية التسويقية الأكثر ذكاء تكمن في التحالف مع متعمّد الإثارة ذاك وغريب الأطوار ذي الشعر الفضي، لينتج عن ذلك سماحها له باستخدام ملصقات علب حساء أصلية كبطاقات دعوة للمعرض، بل حتى أنها وكّلته بعمل لوحة كهدية نهاية الخدمة لرئيسها أوليفر ج. ويليتس، وفي أيار/ مايو 1964 قام المدعو ويليام ماكفارلاند المدير التسويقي في الشركة وأحد معجبي وارهول بإرسال صندوقي حساء طماطم للفنان، مرفقاً بهما رسالة ودّية كتب عليها أنه كان يتمنى يوماً أن يحصل على لوحة أصلية له، لكن سعرها الباهظ الآن يفوق مع الأسف قدرته على الشراء.

كان للعلاقة التكافلية بين وارهول وشركة كامبل للحساء مردوداً إيجابياً وافراً لكليهما، فعلب حساء الشركة أصبحت من أشهر المنتجات الأمريكية في العالم، وبالتالي فإن النظر إلى هذا الصنف التجاري باعتباره مستودعاً حقيقياً للثقافة والقيم الأمريكية هو من الارتباطات التي لا فكاك بينها وبين وارهول، وحين جدّدت الشركة تصميم ملصقات علبها عام 2010 لم تقترب مطلقاً من نودلز الدجاج، والطماطم، وقشدة الفطر بأنواعها، فهي ما خلّده وارهول ببراعة في أعماله، وبالمثل فإن لوحات وارهول لحساء الطماطم تحتل مكانة عالية في عالم الفن الحديث، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2010 بيعت وبشكل مدوٍّ في كريستيز بنيويورك لوحة علبة حساء كبيرة مع فتاحة علب (خضار)/1962؛ مقابل 23.9 مليون دولار.

إن الكميات المحدودة من علب الحساء التي ظهرت وبيعت في متاجر تارغيت عام 2012 جاءت بـ 4 نظم ألوان مستلهمة من وارهول، كما عرضت لمحيّا الفنان وتوقيعه على الملصق، بالإضافة إلى عدّة اقتباسات منه، مثل: (كل واحد سيصبح مشهوراً لمدة 15 دقيقة في المستقبل)، وقد سُعّرت كل علبة بـ75 سنتاً فقط، وهو أقل من سعر تكلفتها ونقيضٌ أكيد لإستراتيجيات التسعير المعتادة مع الكميات المحدودة، لكن نجاح المشروع كان ساحقاً، ففي غضون أيام فقط نفدت البضاعة تماماً من مستودعات تارغيت، وبإخلاص مبهج لروح التجارة التي كان يقدّسها وارهول فقد عادت العلب إلى الظهور ثانية للبيع على مزادات الإنترنت في موقع eBay وبهامش ربح كبير، إذ بيعت 4 علب مقابل 26 دولاراً، محققة ربحاً صافياً مقداره 766% عن سعر البيع الأصلي.

أثارت علب حساء تارغيت كذلك عدة قضايا طريفة تخص موضوع الملكية الفكرية الذي يعود أصلاً إلى عام 1898، وذو الصلة بمؤسسة وارهول وشركة كامبل التي تمتلك العلامة التجارية التي استخدمها وارهول في فنه، والموضوعة على ملصق الشركة الأصلي باللونين الأبيض والأحمر، وما يحدث الآن هو أن استخدام وارهول للشركة؛ يُعاد استخدامه ثانية ومن قبل الشركة ذاتها، وفي حلقة دائرية كاملة تشكّل حالة نادرة في التاريخ يستخدم فيها فنان صورة علامة تجارية لشركة ما في عمله الفني، ومن ثم يعيد توظيف العمل الفني لإنتاج إستراتيجية تسويق لمنتجات متشابهة من الشركة ذاتها، وبالتعاون مع مالك العلامة التجارية ذاته.

وعلى الرغم من أن الحالات العملية المؤديّة إلى انتهاكات في حقوق الملكية الفكرية والعلامة التجارية مفصّلة بوضوح، إلا أن صور علب حساء وارهول وكامبل ملتصقة معاً إلى درجة تحتّم عليها المصير ذاته.

في عام 2008 افتتحت سلسلة مطاعم الوجبات السريعة بوب برغر فرعاً لها وسط مانهاتن، وقد عُلقت فيه جدارية مركّبة للوحات علب حساء الطماطم الوارهولية، وفي الحال أرسلت شركة كامبل رسالة إلى المطعم تتهمه بانتهاك العلامة التجارية، مستندة إلى أن العرض يوحي بشكل مضلل إلى وجود ارتباط بينهما، ومقرّة في الوقت ذاته بأنه (ندرك أنكم قصدتم باستخدامكم هذه المادة توجيه رسالة إجلال إلى آندي وارهول)، لكن مؤسسة وارهول التي كان بإمكانها كذلك أن ترفع دعوى انتهاك ملكية رفضت التعليق علناً على الموضوع، ولا تزال الجدارية في مكانها إلى اليوم، مع وجود إشارات إلى أنه قد تم التوصل إلى تسوية خاصة.

وثمة سيناريو آخر لا يقل طرافة قد ينشأ إذا أنتج فنان آخر عملاً مستخدِماً واحدة من لوحات العلب الأصلية، وحسب نوعية العمل المنتج فمن الممكن مقاضاة الفنان من قبل مؤسسة وارهول بدعوى انتهاكات الملكية الفكرية، أو شركة كامبل بدعوى انتهاك العلامة التجارية، أو كليهما معاً، لكن الحقيقة هي أن أغلبية المقاربات التي تمت للوحات علب الحساء قد تم الترحيب بها بحماس من قبل عالم الفن، حيث صوّر ريتشارد بيتيبون – الذي يقوم عادة بإعادة إنتاج أعمال فنية شهيرة بالحجم الذي تنشر فيه في مجلات الفن – لوحات وارهول تلك، ثم بيعت 4 من منمنمات المعلبات خلال العام الماضي في سوذبي بنيويورك مقابل مبلغ 25 ألف دولار، أما لوحة (سلسلة النقد العظيم: حساء كامبل)/2000؛ لفنان البوب السياسي الصيني وانغ غوانغي فتعرض شعار الصنف التجاري ملصقاً فوق 3 أشخاص كنوع من البروباغاندا الشيوعية، وقد جلبت اللوحة 228,400 دولار في مزاد هونغ كونغ عام 2008.

إذن من الواضح أن كلاً من شركة كامبل ومؤسسة وارهول قد اعتنقتا الفلسفة المزعومة التي تكمن وراء تسامح مايكروسوفت الجزئي في موضوع قرصنة الملكية الفكرية، أي حالما تملأ العالم بما يكفي من نسخ منتجاتك، جاذباً إليها الأفئدة والعيون، تأكّد أنك ضمنت شهرة لمدة تزيد كثيراً عن 15 دقيقة.