P
R
E
V
N
E
X
T

القصر الموسوعي

بينالي البندقية

Italy
Also available in:  Chinese  English

كانت فقط مسألة وقت قبل أن تصل الظاهرة الثقافية الهيبيّة إلى مركز الفن العالمي، وهي مجموعة تقريبية مكونة من المفاهيم والقيم الخاصة بجيل مميز في الغرب، ولد تقريباً قبل نهاية القرن الـ20 في الغرب، أي فترة السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، وقد وصلت من نيويورك وميلانو من خلال مشرف المعارض ميسيميليانو جيوني، وذلك في معرض (القصر الموسوعي)، وهو المعرض الأساسي في بينالي البندقية الـ55، حيث أخذ جيوني الزائرين في رحلة غرائيبية لعوالم عجائبية تملؤها رؤى رمزية وخيالية، وأساطير وفضاءات شخصية، ورموز  دينية وتعويذات، وخرائط ذهنية ومناظر من العوالم الداخلية، والكثير منها كان قد اكتشفها هو أو فنانوها، من خلال سبر عالم التصور خارج المؤسسات الرسمية لعالم الفن.

أخذ جيوني اسم البينالي من الفنان الإيطالي- الأمريكي  مارينو أوريتي الذي قدم مشرع عمل أطلق عليه اسم (قصر العالم الموسوعي)/1955؛ حيث اقترح إقامة بناء طوله 700م في واشنطن، أي ما يعادل مبنى مكوناً من 136 طابقاً، ليشمل كل معارف العالم والاكتشافات العظيمة للحضارة الإنسانية، وقد كان من شأن تصميم المعرض محاكاة غرفة العجائب الـ"وندركامر"، وهي خزانة أوروبية تضم العجائب، تم إنشاؤها بداية الاكتشافات العالمية و"عصر الاستعمار"، فيها توضع أشياء متنوعة من التاريخ الطبيعي، جبناً إلى جنب مع رسومات.

ومثل برج أوريتي كانت الـ"وندركامر" تعبيراً عن الحلم الأفلطوني أنه (لاشيء أكثر قداسة من أن تعرف كل شيء)، وهذا هو اقتباس من عالم اللاهوت اليسوعي أثاناسيوس كيرتشر في كتابه (فن المعرفة العظيم)/1966؛ الذي يستشهد به جيوني في مقاله عن البينالي، وقد أخذ هذا الاعتقاد أبعاداً جديدة في حقبة الإنترنت والاشباع بوفرة وسائل التواصل الرقمية. 

في الجناج الأساسي سنترال بافيليون، وفي جناح أرسنال، وضمن المعروضات المختلفة التي تعود لأكثر من 150  فناناً، كانت الرسومات  المستوحاة من الأحلام لكارل غوستاف يونغ من الكتاب الأحمر (1914 – 1930)، وكانت هناك أيضاً رسومات تانترا لفنان مجهول من راجستان، ورسومات روحية لـ (شيكرز: جماعة الإيمان بالظهور الثاني للمسيح) من القرن الـ19، ورسومات بانو أي فن الرسم على القماش بيد مساجين إسبانيين في الولايات المتحدة، ورسومات الفنانة جيو فينغي التي تصور كائنات شبه أسطورية مستوحاة من الرياضة الروحية "غيغونغ"، والعالم الدقيق التفاصيل في أعمال الفنانة لِن زر، كل هذه الأعمال هي نتاج الخيال العلمي والخيال البدائي، وعلى الرغم من وجودها في (القصر الموسوعي)، إلا أنه لا تزال هناك بنية هرمية لتلك الأعمال الغرائيبية التي تم اكتشافها، والأعمال المعاصرة التي تقدم ذاتها بثقة على أنها فن، وجيوني ذاته ومن دون تردد يلاحظ التحيز وينتقده.

MARINO AURITIIl Enciclopedico Palazzo del Mondo, c. 1950. Installed at the Arsenale, Venice Biennale, 2013. Wood, plastic, glass, metal, hair combs, model-kit parts, 335 × 213 × 213 cm. Photo by HG Masters for ArtAsiaPacific.

في المقال الذي كتبه في افتتاحية المعرض قال: (إنسان استثنائي مثل أوريتي… يشترك مع الكثير من الفنانين والكتاب والعلماء ومدعي النبوءة وهم المعرفة الكاملة)، وكأن المفكرين والقيّمين على المعارض ومديري المتاحف ليس عندهم ذلك الطموح المتغطرس ذاته، وكأنه لا يمكن إعطاء أي من الفنانين أصحاب المعارض لقب استثنائي.

إن ادعاء رغبة كبيرة في احتضان “ما هو مختلف”، وتكريس القيم العادية في ذات الوقت؛ هو تماماً ما يجعل ذلك البينالي معرضاً "هيبيّاً"، ولا يزال هناك نقاش جار حول هذا الطرح، إلا أن الحركة الهيبيّة هي عبارة عن مجموعة قيم جمالية تتجنب السياسة، وتزكي التعددية والأصالة في الإنتاج الثقافي للأفراد وللمجتمع، وتحاول منع تحويل حياة الأشخاص إلى جزء من سيطرة الشركات، سواء عن طريق السلع أو العمل، ومن هنا جاءت شعبية الأزياء التقليدية، والمبادرات التي تعطي الناس فرصة الاعتماد على ذواتهم، والمشروعات الصغيرة، وكل ما يعزز أهمية المسكن، مثل العناية بالحدائق وتعليب الأغذية، وكذلك اختيار الاهتمام بنشاطات مثل رياضة اليوغا، والطب البديل أو الروحانية الوثنية، وكل ذلك كله مستوحى من الثقافات التي لا تزال تعترف بالمعتقدات والممارسات التقليدية في العصر الحديث، وعلى الرغم من التأكيد على ما هو أخلاقي وتقدمي وخصوصاً ما يتعلق بالحريات الشخصية والبيئة، مثل نظرة للعالم مركزها الغرب، إلا أنها تتقاطع مع بقية ثقافات العالم، فالحركة الهيبيّة تتبنى نوعاً من الغرائبية الثقافية لتستبدل بها الاستشراق المغرق في القدم.

ومع كل ذلك، وعلى الرغم من أن المعرض غدا مكرراً إلى حد كبير، في “سنترال بافيليون” حيث تعرض عادة وبحرية أعمال لا يجمعها إلا كونها غريبة ومتطرفة)، وفي جناح أرسنال حيث تعرض الأعمال التي لديها قاسم مشترك ونزعة عقلانية تسعى لـ “المعرفة الكلية”.

كانت هناك أعمال كثيرة يدوية جميلة، لوحات الفنانة بروبهافاتي ميبايل المبسطة؛ مع أسلاك ذهبية وفضية ونحاسية بالجبس مثبتة على أسطح، ودفاتر الفنانة شينرو أوهتاك التي لديها منها الكثير بآلاف الصفحات من الكولاج لصور من وسائل الاتصال العامة، ممزقة، مشقوقة وملصقة ومعدلة، تلك كلها كانت معروضة في خزائن زجاجية، وعشرات من رسومات يوكسيل أرسلان من سلسلة أعماله: (أرتور ) أي فن الكتابة، وهي كلمة مؤلفة من كلمتي آرت بمعنى فن، وكلمة إيكريتور بمعنى الكتابة التي بدأها منذ منتصف الخمسينيات مستخدماً لوحة ألوان موحلة مميزة، وصباغاً يدوي الصنع، وتصور تلك المجموعة تصنيفات المجتمع  للجماعات، بما في ذلك المصابين بالتوحد والذين يعانون من الفصام، والطرائق المستخدمة لتشخيصهم.

DANH VO. Curtains from the reconstructed ruins of Hoang Ly church (c. 1800s) from Thái Binh Province, Vietnam. Installed at the Arsenale, Venice Biennale, 2013. Dimensions variable. Photo by HG Masters for ArtAsiaPacific.

أرسلان قريب في أسلوبه من أساليب أصدقائه السورياليين، إلا أنه حقيقة لا ينتمي لأية مدرسة فنية، ويكاد يكون هو ذاته موضوعاً للفن، وفي مواقع أخرى من المعرض اختار جيوني توجهاً أنثربولوجياً، وأحياناً أركيولوجياً، حيث شمل أعمالاً من بداية القرن الـ20 وحتى وقتنا الحالي، وعدداً من الأشخاص الذين لا نعتبرهم عادة فنانين، لكي يزاوج الأعمال الفنية مع أشكال أخرى من التعبير الرمزي، وذلك بهدف (تحرير الفن من قيود ادعاء كونه مستقلاً)، وأيضاً ليذكرنا (بقدرة الفن على التعبير عن تصورات العالم)، وهذا برأيه يخلق نوعاً جديداً من القيود و الأكثر من ذلك، ويشمل ذلك طيفاً واسعاً من الممارسات الفنية لوقتنا الحالي. 

دانه فو؛ عرض على سبيل المثال عملاً مكوناً من إطار عمره 200 عام من  الكنيسة الكاثوليكية في فيتنام، وأجزاء من بنيته المعمارية الخشبية المزينة مجمع على الأرض، وستائر عليها آثار بقع نتيجة تعرضها لأشعة الشمس يوم كانت تغطي الجدران، أما معرض الفنان كان زوان (موندز)/2012؛ فيتألف من جزأين، أي من 207 فيديو مثبتاً على صور لكل تلة دفنٍ إمبراطورية في الصين، والفيديوهات مصوَّرة بتقنية 8 ملم التي تمنح الصور مظهراً لونياً عتيقاً “فو- فينتج” أو بكاميرات ضعيفة الدقة، كالذي نراه في تطبيقات الـ “أبليكيشن” لهواتف الآيفون.

عندما أنتج الفنانون أعمالاً فيها فانتازيا أو غرائبية؛ تم التعامل ببساطة مع عدد منها على أنها موضوعات أنثروبولوجية، وكان هذا بشكل خاص إشكالياً في حالة الفنان شينيتشي ساوادا ومنحوتاته الطينية لحيوانات مفترسة وأشكال تغطيها جلود الزواحف والقرون، المعروضة في غرفة دائرية في صناديق عرض شفافة مصنوعة من البلاستيك المقوى، لتبدو وكأنها آثار عتيقة معروضة في متحف، والنص الذي يرافق أعمال ساوادا يعزز ذلك التفاوت، وقد ولد شنيتشي ساوادا مع مرض التوحد، وهو نادراً ما يتكلم، عوضاً عن ذلك يعبر عن ذاته من خلال نحت مخلوقات وأقنعة من الطين، بدأ صنع تلك التماثيل عام 2001 عندما كان مقيماً في ريتو ناكايوشي ساغيوجو المستشفى الخاص بمن يعاني من مشاكل عقلية، وفي وقت لاحق جاءت دراسة سطحية لتحليل الفن عن طريق علم النفس، وفيها يقول كاتبها: (ومن اللافت للانتباه أن أعمال ساوادا تذكرنا أيضاً بالمجتمعات القبلية في أفريقيا التي اطلع عليها الفنان بشكل غير مباشر، وأعاد خلقها في مخيلته). لا يمكن التصديق أن تحليلاً كهذا يطلق على فنان معاصر، وهو يشبه ما كُتب عن الفنان ماثيو موناهان (الذي هو حقيقة شخصية لا تقل غرابة عن ساوادا). جاء في المقالة: (منحوتات ماثيو موناهان ورسوماته تستعير من تاريخ التعبير الرمزي، لتخلق أشكالاً تركيبية تجمع في تكوينها إشارات إلى ثقافات متعددة، بدءاً من رؤوس الأولمك الهائل في المكسيك القديمة، مروراً بالتماثيل اليونانية القديمة، والذخيرة الكاثوليكية ممثلة بحجاب فيرونيكا، وانتهاء بهجينة الإنسان والآلة التي تمثل الخيال العلمي.

في كتيبات الإرشاد في المتحف والنصوص المرافقة للأعمال الفنية على الجدران؛ تم تعريف فناني عالم الفن من خلال وصف أعمالهم واختياراتهم  ومراجع محددة، وذلك في الوقت الذي يتم التعريف بالفنانين غير المحترفين من خلال سيرة ذاتية غالباً، مع تفصيل عن الحالة المرضية أو النفسية أو ظروف الحياة التي أثّرت على إبداعاتهم رغماً عنهم. 

كان المعرض مقسوماً إلى جناحين، جناح الفنانين الذين يستعيرون لينتجوا فنهم وهؤلاء الذين يعتمد عليهم ويستعار منهم، وجناح أؤلئك الذين يستولون على أعمال سواهم ويستخدمونها في أعمالهم من دون إذن، وهو جناح أكثر إشكالية، وعلى الرغم من أن (القصر الموسوعي)  يميل إلى تجميع طيف واسع من الأعمال والتحف، إلا أنه لا يزال يعطي المركزية للقيم الجمالية وللهيمنة الثقافية الأمريكية – الأوروبية، وفي نهاية جناح آرسنال بعد غرفة صغيرة فيها أعمال  بروس نومان وديتير روث التي لها شكل اليوميات والمفعمة بالإنسانية (أعمال روث من آخر أيام حياته)؛ ينتقل زوار المعرض إلى غرفة صغيرة أشبه بالكهف، فيها عرض والتر دي ماريا بعنوان (أبولو إيكستاسي: فرحة أبولو)، وهو عبارة عن 20 قضيباً برونزياً طول كل واحد منها 5 أمتار مثبتة على الأرض، وهي بكمالها المبسط عبارة عن ملحمة عميقة المعنى في نقد العقلانية والعقل، وعلى الرغم من أهمية بقية الأعمال إلا أنها تبهت أمام تلك الرائعة الفنية حول الثقافة الغربية، بصفائها الجمالي والنقدي. من هنا يخرج الزائر من قصر جيوني إلى المدينة الجزيرة ليشاهد المعالم الوطنية الكثيرة، والتي بمجرد وجودها والقصص المؤثرة التي تحملها في تاريخها؛ تكفي لأن تكون انتقاداً لاذعاً لعبثية جماليات الهيبيين وادعاءاتهم الثقافية.