P
R
E
V
N
E
X
T

The intersection of Bo Soon Pat and Anawratha streets in downtown Yangon. Photo by Christopher Ian Smith.

يانغون

Myanmar
Also available in:  Chinese  English

ميانمار هذا العام تحفل بظهورها الأول على الساحة الفنية الدولية، فقد مهّد رفع الرقابة والعقوبات لبداية الاستثمار العالمي فيها، ويمكن القول إن أهم شخصية في مجال حقوق الإنسان تم الإفراج عنه حياً اليوم من الإقامة الجبرية، وانتخب عضواً في البرلمان، ولفت انتباه وسائل الإعلام العالمية إلى تعقيدات الطبقات الاجتماعية في ميانمار المقسّمة حسب الدين واللغة والثروة. 

رغم سنوات العزلة خلق الفنانون في ميانمار عالمهم الخاص من الفكر المعاصر والشعر والأداء والفنون البصرية، مع أن المدينة خسرت مكانة “العاصمة” منذ عام 2006، أي حين انتقلت العاصمة السياسية إلى نيبيداو، لكن تبقى يانغون قلب وروح الفنون المعاصرة في ميانمار، وممارسو الفن يأتون من جميع أنحاء البلاد إليها على أمل المشاركة في نقاشات حول الفن العالمي والممارسة الفنية.

إذا قارنا هذا الواقع مع عواصم الفن الآسيوي في جنوب شرق آسيا؛ سنجد أن يانغون مقصّرة في هذا المجال، وليس السبب نقصاً في المواهب، إنما في الموارد، ما يجبر الفنانين فيها على البقاء محصورين في مساحة ضيقة للإبداع، والمدينة أشبه بأرض يباب تملؤها رؤي الفرص التي لا تجد من يترجمها إلى الواقع، فبالكاد يوجد معهد للفن، والقلة الموجودة إما لا تزال سجينة فنون القرون الماضية، أو أنها تختار موضوعات لم تعد لها أهمية في يومنا وعالمنا الحالي. والجامعة الوطنية للفن والثقافة تقبل 200 طالبا كل عام ليتخصصوا في الموسيقى والرسم والنحت والمسرح وعلم الآثار والمتاحف، فيُطلب منهم التركيز على الفن التقليدي لبورما، مثل الدمى البورمية، ومدرسة الفن الشكلي، وفي مقابل ذلك لا تشجِّع أو تموِّل الفنانين الذين يعملون مع وسائل أو مفاهيم جديدة.  

في غياب الموارد والدعم المؤسساتي في بورما؛ يوجه الفنانون طاقاتهم إلى بناء منظومة تساعدهم في خلق مساحات لإبداعهم عن طريق مراسم يديرونها بأنفسهم، ومن الأمثلة الناجحة لهذا التوجه نجد صالة عرض نيو زيرو، ومهرجان بيوند بريشر الفني، وهناك أيضاً بعض الدعم من المعارض التجارية مثل بانسودان وKZL. غير أن الفن يبقى على نطاق صغير والمعرض يدوم يوماً أو يومين، فيما ورش العمل والنشاطات الفنية هيصاحبة التأثيرا الحقيقي، ومن هذه الفعاليات التي تثير نقاشات غير متوقعة أو تحفيزاً بصرياً غير متوقع تنطلق عدة كتابات وأعمال فنية جديدة. وهناك عدد قليل من هذه الحالات في الذاكرة الحديثة للمدينة، ومنها مهرجانات النساء الفنية للوسائط المتعددة (الرياح الزرقاء)/ 2009 – 2010، ومهرجان الشعر والأداء الفني (تقارير الجسد)/ 2010، ومعرض (عبور الحدود)/ 2010، وهذا العام معرض النسيج (صنع في ميانمار). ذلك هو شريان الحياة للفن المعاصر في يانغون.   

الفنانون أمثال أونغ مينت، وبو بو ونجي لاي، الذين شاركوا في تلك المعارض يتصدرون الصحف في جميع أنحاء العالم، ويشاركون في معارض عالمية مثل (من دون بلد) في متحف غوغنهايم في نيويورك، وهو معرض لفن جنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا، أو في بينالي سنغافورة لهذا العام. لكن يبقى السؤال: كيف سيتم التعاطي مع فناني يانغون من قبل جمهور دولي لم يتعامل سابقاً مع تاريخ المدينة، ولا مع أساليب الإنتاج والفنانين والنسيج العاطفي فيها؟  بالإضافة إلى ذلك؛ فإن الوعي العميق لكونها من آخر البلدان التي انفتحت على الأسواق الرأسمالية يثير قلق الفنانين، فكيف ستتغير مفاهيم الفنانين في ظل انتشار المعلومات والحريات في أرجاء البلاد؟ وماذا عن احتمال وجود سوق حقيقية للفن والثروة التي قد تجلبها؟ 

يتصاعد التوتر بين الفنانين بسبب مناقشة السؤال الأزلي: من يصلح لتمثيل ميانمار؟ ومع الانحسار التدريجي للرقابة وظهور الأسواق التجارية؛ هل تتزايد المسؤولية الاجتماعية للفنان أم تتقلص؟ إن الكثير من الفنانين يشعرون أنهم قد صُنفوا خطأ وببساطة منذ فترة طويلة بأنهم “فنانون سياسيون” على أساس بلدهم، وليس بسبب مضمون أعمالهم. 

لقد بدأ الفنانون بإنشاء شبكات خارج يانغون، بما في ذلك يوما سبيس الفني في تاونغي بولاية شان، ومركز الفن المعاصر ماندالاي، ذلك لأن ميانمار تتمتع بتنوع في اللغات والتقاليد الثقافية، وهذا التنوع في الموقع أمر ضروري، ولأن هناك توسع جغرافي في مناطق متعددة؛ قد تصبح حدود البلاد بلا شك محط اهتمامامات فنية، وهي التي تعج بالتوتر على الموارد الطبيعية، وتعاني من نتائج الاندماج السكاني القسري، ومن مخيمات المشردين وحالات الإهمال طويلة الأجل.  

كالعاصمة السابقة للبلاد، كانت يانغون فيما مضى مركزاً لانتشار ثقافة البلاد في جميع أنحاء العالم، لكنها الآن فقط تبدأ نهضتها. ففي العام الماضي كان أول مهرجان أدبي دولي للمدينة (Irrawaddy)، فضلاً عن العديد من المهرجانات السينمائية الدولية والمحلية، والمختارات الجديدة المترجمة من الشعر المعاصر، وغيرها الكثير من الأمثلة التي تشهد على اهتمام ميانمار بالإنتاج الإبداعي، إلى جانب أحدث المراكز الفنية (Deitta) التي ستفتتح فيها، ومركز الموارد للمصورين والمخرجين، ومركز يانغون أوبين سبيس المكرس للفن التجريبي.

ويبقى إنشاء متحف للفن أو مؤسسة تعليمية أولوية ملحة، وهناك أمل أن يساعد تدفق رؤوس الأموال العالمية والاستثمارات المحلية على تحقيق تلك الأولوية. في غضون ذلك يواصل الفنانون تحمّل مسؤولية توفير الأماكن والأفكار والتعليم والنقد لمدينة يانغون، وبالتالي لسكان ميانمار.