P
R
E
V
N
E
X
T
01_f_1000

LES PEINTRES CELEBRES 1, 1948–49, gouache on paper, 25 × 36 cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.


TRAJECTORY OF A LINE, 1957–59, wood, 74 × 34 × 25 cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.

TRAJECTORY OF THE ARC, 1972–74, brass, 34 × 14 × 12 cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.

ذاكرة، مصححة

Saloua Raouda Choucair

Features from May/Jun 2014
Lebanon
Also available in:  Chinese  English

عندما يدخل زائرون معرض الفنانة اللبنانية سلوى روضة شقير في متحف تيت للفن الحديث في لندن 2013 إلى الصالة؛ يستوقفهم منظر مذهل، يجدون أمامهم إطار صورة متهالك فيه لوحة مهترئة، وحفرة بحجم قبضة اليد في وسطها، شظايا من الزجاج  تغطي سطحها وتثقب قماش اللوحة، وإلى جانب هذا العمل – وكأنه مكمل له بصمت – نجد عنوان اللوحة وتاريخها على الجدار (اثنان = واحد)/ 1947 – 1951؛ دون تقديم أي شرح أو تعليق عنها. 

اللوحة المهشمة هي واحدة من اللوحات العديدة القيّمة للفنانة الرائدة، وهي دراسة تجريدية لأشكال تصويرية مكررة باستخدام تدرجات لون الصدأ واللون الأحمر، وقد كانت اللوحة سابقاً معلقة في مرسم شقير في شارع الحمرا في بيروت، إلا أنها تكسرت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) بسبب انفجار قنبلة تطاير الزجاج عقبها، خربت اللوحة، وأمطرتها بشظايا الزجاج التي ما تزال موجودة على سطحها حتى الآن، وإن اختيار عرض اللوحة في حالتها تلك كانت محاولة واضحة من أمينة متحف تيت لوضع سياق أعمال شقير في ذلك الوقت من الصراع. إن (اثنان = واحداً) هو أثر لعمل الإنسان أكثر من كونه عملاً فنياً، يعبر عن نزعة الفنانة الحداثوية التي لا تتزعزع  في تشكيلها للغتها الفنية التجريدية ضد التشويه المتعمد الذي يغمر المدينة خارج عتبة بابها، وفوق ذلك فإن القماش المندب هو أيضاً رمزٌ لحالة محددة من الهشاشة؛ هشاشة الذاكرة. عملياً لم تكن الفنانة معروفة قبل معرض متحف تيت الحديث، فقد سقطت شقير في شقوق تاريخ الفن، لدرجة أنه تم التغاضي عنها في بلدها لبنان حتى العقدين الماضيين.

بالطبع هذا يعود إلى حد كبير إلى الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت الفنانة تثابر بصمت، تنحت أعمالاً مجدولة،   أو تبدع سلسلة أعمالها في النحاس المتشابك بعنوان (ثنائيات). كانت شقير خارج التزامن مع الزمان والمكان، وكانت في ستينيات عمرها قد أنجزت عقوداً من الدراسة وممارسة الفن عندما انفجر الصراع في لبنان، وببساطة لم تكن شقير تملك لغة فنية تسمح للحرب بالدخول إلى أعمالها، كان عملها منطقيا بالكامل، وعلمياً، ومصمماً لإبعاد الإنسان والمجتمع. إن اقحامها الحرب بشكل واقعي في عملها (اثنان = واحد) يوضح أن قوة النسيان قد تكون مدمرة، فالذاكرة المسجونة، وكذلك الحرب ذاتها؛ كانتا التحدي الأكبر لشقير. بدأ الاهتمام بأعمالها كلها مؤخراً، والآن تعاد إلى دائرة الضوء العالمية، ويعود الفضل في ذلك – ليس فقط لمعرض متحف تيت للفن الحديث – لكن أيضاً لصالات العرض في بيروت وفي نيويورك، وبعدُ؛ فإن “إعادة الاكتشاف” هذه ما تزال جزئية.  

TWO=ONE, 1947–51, oil on canvas, 62 × 82 cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Tate, London. 

ولدت شقير في بيروت عام 1916، وبدأت تعلَّمها في مدرسة للبنات، وفيما بعد تدربت مع فنانين لبنانيين كانا الأكثر شهرة في لبنان خلال الأربعينيات؛ هما رساما المناظر الطبيعية مصطفى فروخ، وعمر أنسي، وحينها سافرت إلى باريس، درست تحت إشراف فرناند ليغر قبل أن تعود إلى بيروت عام 1951، حيث استمرت بالحياة هناك، وهي الآن مريضة وطريحة الفراش، ومع ذلك؛ عائلتها والمشرفون على معارضها الفنية يعملون حثيثاً ليكون لشقير مكانتها في ذاكرة الفن التاريخية، فهم يصرّون أن أعمالها الفنية بصرية ويسهل الوصول إليها ودراستها ووضعها في إطارها التاريخي، وتحليلها كجزء من الحركة الحداثية ككل، والأهم من ذلك كله أن شقير أثبتت ذاتها أنها متحررة ذات روح مقدامة.

(ليست شقير فنانة وحسب، بل هي مفكرة أيضاً) تعلق كارلا شماس المؤسِّسة المشاركة في إنشاء صالة (سي آر جي CRG) في نيويورك، والتي تمثل الفنانة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا واضح في علاقتها مع الحس الهندسي من خلال الأقواس التي تظهر في  كل أعمالها، من لوحاتها الأولى المبكرة، مروراً بأعمالها النحتية المكثفة والديناميكية (مسار الخط Trajectory of a line) من أواخر الخمسينيات إلى عملها بالقطع النحاسية – الدلع بسلاسته – بعنوان (مسار قوس Trajectory of the Arc) من السبعينيات، وما بعد ذلك عملها في النحت بالحجر، والجدير بالذكر أن (حركة الملاك)/ 1983 إلى 1985؛ هو عمل يظهر عليه التأثر بالنحات كونستانتين برنكوش 1876 وتوفي عام 1957.

إصرارها واهتمامها بالحركة الفيزيائية واضح في كل أعمالها الحركية في الزجاج والفولاذ منذ السبعينيات، وتجربتها في التجاذب في (دينامية ثابتة)/ 1972 إلى 1974؛ وهو برج ملفوف من حلقات الفولاذ، فضلاً عن  الأعمال المعدة بقياسات كبيرة  للعروض العامة، وخاصة تلك التي تستخدم الماء، مثل مجموعة (مشروع ماء Water Project)/ 1973؛ المثير، حيث يبدو في الوقت ذاته بدائياً، وحديثاً بعمق. 

STRUCTURE WITH ONE THOUSAND PIECES, 1966–68, wood, 147 × 36 × 36 cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.

مثل عالم متحمس، أو مخترع مهووس؛ احتفظت شقير بملاحظات غزيرة ودقيقة عن كل عمل من أعمالها، هناك وفرة من الوثائق حيث تقوم ابنتها هلا شقير رئيسة مؤسسة سلوى روضة شقير، بقراءتها في محاولة استخلاص معنى منها مجتمعة، وتتذكر  شماس زيارتها الأولى قبل صيفين ماضيين إلى بناء في بيروت حيث كانت الأعمال محفوظة، وتعلق قائلة: (كان هناك على الأقل 500 منحوتة صغيرة، وفترينات مليئة بالأعمال الصغيرة.  شعرت كأني أزور موقع تنقيب آثار). 

لكن تلك الوفرة المفرطة من الأعمال المتنوعة؛ قطعاً لا تنقص من الأفق الموحد لرؤيا شقير، ولحظة التعريف الأولى في التعبيرعن تلك الرؤيا ربما كانت الأعوام الثلاثة الهامة التي عاشتها في باريس بدءاً من 1948، وهناك كانت وجهاً لوجه مع الحداثة التجريدية التي كانت قد تشكلت في ذلك الوقت في أوروبا، وكان لشقير عدد من المواجهات مع هذه الحركة. التحقت بمدرسة الفنون الجميلة الفرنسية (École des Beaux-Arts)، وهناك أخذت دورات في الرسم والنحت، ودرست أيضاً في أكاديمية دو لا غراند شومير(Académie de la Grande Chaumière)، وهناك وجدت بيئة مختلفة فيها طلبة آخرون، منهم مغتربون أرادوا أن يجدوا صيغهم الخاصة للتجريد، مثل إسامو نوغوتشي Isamu Noguchi، وزاو وو كي Zao Wou ki، وألكسندر كالدر Alexander Calder، إضافة للفنانة لويز بورجوا Louise Bourgeois. 

وفي النهاية عام 1948؛ انجذبت إلى ورشة فرناند ليجي Fernand  Léger الذي كان قد عاد للتو من نيويورك، وكان يعتبر واحداً من أكثر الفنانين حداثة في ذلك الوقت، وكي تكمل هذا الخليط التعليمي؛ فقد أصبحتAtelier d’art abstrait  نشيطة عام 1950، حيث كانت قد افتتحت حديثاً نهاية شارع غراند شومير صالة عرض أتيلييه دو آرت أبستري، حيث كانت تقضي وقتها بصحبة الفنانين الذين كانوا يتعمقون في عوالم الفن التشكيلي التجريدي الوليدة، مثل ريتشارد موريتنسين Richard Mortensen، وفكتور فاسارلي Victor Vasarely،  والمؤسسان جين ديواسن Jean Dewasne، وإدغار بيليت Edgar Pillet، كانت مدرسة الفنون الجميلة مختلفة عن غيرها من الورش والمدراس الكبرى التي درست فيها شقير، وفي مدرسة الفنون لم يكن هناك أساتذة، وبدلاً عن ذلك فإن تبادل الأفكار بحرية وسبر الأفكار الفنية بشكل جماعي كانت هي الطرائق التعليمية السائدة. 

في محاولة لموازنة اهتمامها العميق بالتجريد، وجدت شقير  ذاتها ميالة على نحوٍ متزايد للصرامة الأحادية في الهندسة المعمارية الحديثة، ومجموعة من الصور الفوتوغرافية من 1949 تسجل رحلتها إلى مرسيليا لزيارة مشروع (وحدة سكنية Unité d’Habitation) للفنان المعماري الشهير لوكوربوسير Le Corbusier، والذي كان لا يزال قيد البناء، وهو ما تطور فيما بعد إلى مشروعه السكني (سيتي راديوز Cite Radieuse). ثمة ملاحظات تفصيلية تملأ ظهر صور شقير عن تلك الرحلة، تمتزج فيها موضوعات الفراغ والشكل والتكوينات والحركة، وهي ذات الأسئلة التي ترافقت باستمرار مدة 6 عقود كاملة مع إنتاجها الفني، وقد أعجبت شقير بوحدات قياس 

PROJECT FOR PUBLIC HOUSING, 1973, terracotta, 14 × 19 × 3 cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.

لو كوربوزير، ووجدت أنها تتداخل بشكل واضح مع لوحاتها الهندسية الخاصة ذاك الوقت، وهي تظهر بوضوح في أعمالها النحتية المتأخرة مثل بناء (بدون نهاية Infinite Structure)/ 1953 – 1965، وهو عبارة عن برج بكتل حجرية مستطيلة مصمم بأسلوب مدرسة بروتاليست Brutalist في العمارة. في ذلك الوقت ربما كانت لوحات شقير أكثر تعبيراً عن التقاطع المحوري بين بحثها عن التجريد، والأسلوب الرياضي الذي يحدد بصمتها الخاصة في الحداثة. في مقالتها المرافقة لمعرض متحف تيت للفن الحديث؛ تتحدث مؤرخة الفن والإنثروبولوجية كيرستن شيد “صناعة” عن عمل شقير (كومبوزيشن إن بلو موجيول)/ 1947 و1951؛ ربما الأبسط في لوحات شقير، مع شكلها الصارم، ومنحنياتها المتضادة، كاشفة الأسلوب الرياضي الدقيق والشديد الإحكام، فإنه الأسلوب الذي يغذي إبداعها.  تتحقق في أعمال شقير “نسبة بصرية” عبر عملية متعددة الخطوات في تقطيع محيط الدائرة إلى أرباع، ومطابقة الأشكال، ونقل المربعات بدرجات قليلة بعيدا عن محاورها. 

POEM CUBE, 1963–65, white wood, 16 × 16 × 16 cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.

بالطريقة ذاتها التي تخلق شقير فيها جماليات أعمالها ومبادئها الهندسية والرياضية المجردة؛ تحوّل معايير الرياضيات الحديثة إلى تعبيرات شخصية، فمثلاً في (بدون نهاية Infinite Structure) كل مجموعة تشكّل كتلة مترابطة تتميز باختلاف الحجم وبشكل الثقوب التي حفرت فيها، متحدية بذلك فكرة لو كوربوسيه حول الوحدات المتكررة بصرامة، وعملها (منحوتة مع ألف قطعة Sculpture with One Thousand Pieces)/ 1966 – 1968؛ يُقرأ في الواقع كبناء وُضِعت كتله بشكل غير منتظم في كل مستوى، ما يوحي بحياة زاخرة  داخل البرج الذي يشبه خلية نحل، كما يُقدّم عمليها (مشروع سكن جماعيProject For Puplic Housing )/ 1973؛ وكذلك (البرج The Tower)/ 1960 – 1962؛ بشكل فني التباين بين الوحدات المكونة للبنية السكنية المتخيلة، في معاكسة لدقة الهندسة المعمارية الحديثة، تبدو شقير مبتهجة بالملذات الفريدة للتفكيك وإعادة التجميع.   

 يتجلى هذا بوضوح أكثر من أي مكان آخر في مجموعتها المذهلة (قصائد poèmes)/ 1963 – 1968، 1972 – 1974. وهي عبارة عن منحوتات متشابكة تتألف من مكونات متفاوتة بالعدد من 3 إلى 11، مصنوعة من الخشب والألمنيوم والنحاس والطين، وحتى من الألياف الزجاجية، وقد كانت التسمية الأصلية لهذه المجموعة (أعشاش Nestings) عندما بدأت العمل بها أواسط الستينيات، وأعادت تسميتها بـ (قصائد poèmes) بسبب اهتمام شقير بالبنية المركّبة للشعر الصوفي، أي يمكن أن يكون المقطع الشعري قائماً بذاته، لكن يمكنه أيضاً أن يندمج مع القصيدة كلها، و(قصيدة من 9 مقاطع Poem with Nine Verses)/ 1966 – 1968؛ تجسد عشقاً للألغاز لا ريب فيه، وهي مجموعة كتل الألمينيوم – التي أنتجت ما يشبهها بالخشب في ذات العامين – يمكن إزالتها وإعادة ترتيبها وإعادة تكوينها، ثم إرجاعها إلى تكوينها الأصلي، وشقير هنا في أوج حيويتها وإبداعها، تسترعي انتباه المتفرج ليجرب المتعة التركيبية لهذه المنحوتات الرفيعة للغاية، والتي تتحول فجأة إلى ألاعيب واضحة، لكن لا شيء متروك للمصادفة في أعمال شقير، أي مع كل إبداعها الحيوي فإن تلك المقاطع الشعرية تشبه معادلات صغيرة، كل مقطع له مكانه في صيغة معقدة ومحسوبة بدقة عالية. الأعمال المحيرة للعقل (Poem Cube) و(Poem Wall) – كلاهما من الفترة بين عامي 1963 و1965، ومثل مسابقات ذهنية متعددة الأبعاد، وهما شاهدان على هذا التوجه العقلاني.      

POEM WALL, 1963–65, white wood, 70 × 160 × 2 cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Tate, London. 

بعد عقد من عملها على مشروع (قصائد)، رجعت شقير إلى التركيز على الحركة، والمنحوتات الحركية من هذه المرحلة تنضح انحناءات ولفات مستوحاة من الهندسة، وبهذا المعنى تحاكي سلسلة أعمالها (ثنائيات) التي توازيها في ديناميكيتها بالرغم من كونها أكثر إحكاماً. يعود تاريخ سلسلة (ثنائيات) بصورة رئيسة إلى السبعينيات والثمانينيات، وهي تتألف من أزواج من المنحوتات الصغيرة على النحاس والألمينيوم والزجاج، والطين المشوي والخشب، التي تتعانق وتلتف متشابكة مع ببعضها، ورغم أنها أقل تعقيداً إلى حد كبير، إلا أنها طبيعية أكثر من بعض الأعمال من سلسلة (قصائد)، وسلسلة (ثنائيات) تدعو المشاهد ليفصلها عن بعضها أو يسحبها، ويفرقها عن بعضها بشعرية رشيقة، وحسية عالية، إن تلك الأشكال المحببة الغريبة تبدو وكأنها تعبير بسيط مقارنة بالبلاغة الملحمية لسلسلة (قصائد)، ولأن شقير أرادت أن تتحدى الحالة البطولية الموجودة غالباً في الهندسة المعمارية الحديثة؛ فإنها على مدى عقود حاولت تحويلها إلى أشكال طبيعية وحميمة لها طابع “ما بعد حداثوي”. 

من أبسط تعريفات الحركة الحداثوية هو البحث اليوتوبي عن إمكانية العالمية، اي توظيف لغة بصرية مشتركة، تطوّر طريقة تشاركية للرؤية، ومع ذلك كانت شقير في كل المراحل – مصرة على صياغة صوتها الخاص ولغتها الخاصة في التجريد مثابرة حتى مع احتدام الحرب حولها – تريد أن تكون رائدة المفردات الفريدة، وتتباهى شقير قائلة: (تجريدي هو تجريدي أنا).

لوأعطيت حياة أخرى؛ فإن شقير تود لو كانت مهندسة معمارية، وللأسف كل مساعيها لم تر النور في هذا المجال، مثل تصميمها بيتاً حلزوني الهيئة يمكن أن يكون ممتداً إلى ما لانهاية بإضافة وحدات إلى أطرافه، وتصميم منزل كامل من البلاستيك المصبوب يمكن غسله بالماء ليسهل تنظيفه، الهندسة المعمارية الحديثة   – ومع ميلها للتكرار – أثرت على أعمال شقير إلى حد كبير، حتى أنها ساهمت في تأسيس شخصية تجريدها المدهش. قالت شقير في إحدى مقابلاتها: (لم يتوقع أحد مني العودة لاستعمال الهندسة، حتى أنا نفسي لم أتوقع ذلك).   

بالعودة إلى أيامها في باريس – في مرسم ليجر – حيث المناخ الذي يشجع على استنساخ أعماله ورؤياه، ومع ذلك رفضت شقير إنتاج أعمال تتماشى مع الأعمال، تكرر وتقلد أسلوب ليجر، ففي لوحاتها الأولى رسمت شقير (الرسامون الشهيرون Les Peintres célèbres)/ 1948- 1949، وهو تعبير عن مآخذها على أسلوب ليجير في لوحته (الافطار الكبير Le Grand Dejeune)/ 1921، وفيها تعيد شقير صياغة الأجسام  الميكانيكية الممسوخة في لوحة ليجير، وتعيد لجسد الأنثى أبعاده وكليته، وفي الوقت نفسه، استخدمت شقير ألواناً مائية معتمة (heGouac) جعلت منها شكلا مسطحاً. فيما بعد، فإن الأعمال الذي أنتجتها طوال الخمسينيات والستينيات والسبعينات في بيروت محاكات وانتقاد للاكتشافات الفنية المشابهة في كل مكان في أوروبا. توضح كارلا شماس قائلة: (كانت متزامنة مع ما كان يحدث في أوروبا في ذلك الوقت، ومنحوتاتها كانت مثل الأعمال التي كانت تنتجها جماعة الفنانين (ZERO) في ألمانيا، وكانت أعمالها تنسجم مع أعمالهم)، على الرغم من أن شقير كانت تعمل في شارع الحمرا ببيروت.  

هناك افتراض متعجرف في بعض الدوائر وهو أن الحداثة الفنية جاءت إلى الشرق الأوسط فقط عبر محاكاة واعية للغرب. الذين درسوا أعمال شقير ينتقدون بقوة هذا الرأي القصير النظر، ويشيرون إلى وجود تأثير النقش الإسلامي في أسلوبها الرياضي، أو تجريدها "الشرقي"، كما وصفه جاك أسود في مقالته “المعادلات الحسية” حول أعمال شقير. إذا كان هناك مثال يدحض فكرة الافتقار إلى الأصالة في الحداثة الشرقية؛ فإن ذلك هو معرض (حصاد أعمال شقير Restrospective)/ 2011؛ الذي أقيم في معرض مركز بيروت (BEC)، الذي نظم بالتعاون بين هلا شقير وصالح بركات مؤسس صالة أجيال بيروت للفن. كان عنوان المعرض معبراً عن حالة أعمال شقير، (مشروع قيد الصنع) غطى فترة طويلة من إهمال أعمال شقير ومساهماتها، إذ لم يكن هناك معرض رئيس لأعمالها منذ معرضها مع وزارة السياحة اللبنانية عام 1974، حيث تم نصب مائة عمل بجوار شارع الحمرا ببيروت، والأمرالهام في معرض مركز بيروت هو عرض العديد من الأعمال التي لم يتم عرضها من قبل، ما أثبت أن أعمال شقير ليست مجرد تجسيد للحركات الفنية الغربية. في مقابلة مصورة من التسعينيات – ورغم تقدمها في العمر-  كانت شقير مرحة ومشاكسة، وفي هذه المقابلة سألها أحد النقاد عن التأثير الأوروبي على أعمالها، فأجابت بنفض يدها رافضة هذا الرأي، وقالت بصوت عالٍ: (لا! إنه تأثير الكون. ما جربته جربه كل فرد). 

Saloua Raouda Choucair in her Beirut studio in 1974. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.

مع ذلك يطرح معرض 2011 تساؤلاً عن الأسباب التي تصبح فيها أعمال بعض الفنانين مهملة ومهمشة حتى داخل مجتمع منقسم طائفي مثل لبنان. العديد من الأعمال المعروضة كانت مخزّنة فترات طويلة، وعدد قليل من الدراسات النقدية في المعرض، كان يمكن التماس القلق على تراث غير مستقر مثل هذا بين النقاد في ذات الوقت. الكاتبة المقيمة في بيروت كايلين ويلسون غولدي – على سبيل المثال – تذكر صورة وثائقية ضخمة لمرسم شقير الفوضوي من عام 2000، والموجودة في لوح في بهو معرض مركز بيروت، وترى في هذه الصورة تعبيراً عن: (طريقة رسم الفنانة الذي ينطوي على حس لمسي هائل، وعن شعور بالتهميش والإهمال). وهذا إلى حد كبير يشبه أثار الدمار في تلف عملها (اثنان = واحد) في معرض متحف تيت، حيث تجسد هذه الصورة الضخمة القوى المتضاربة للابداع والخراب.  

نعم؛ سلوى روضة شقير أسقطت من التاريخ، ولكن عودتها في معرضها عام 2011 زادت حدة التساؤل عن التاريخ ذاته، أي كيف أهملت هذه الأعمال الرائدة، ولم تقدر لفترة طويلة؟، (لم يكن توقيت أعمال أمي موفقاً على الإطلاق)، هذا ما قالته هلا شقير لـ نيويورك تايمز في مقابلة أجرتها العام الفائت بمناسبة معرض متحف تيت للفن الحديث. يبدو أن الظروف كانت ضد شقير، كانت تصنع فناً تجريدياً عندما كانت الانطباعية ما تزال سائدة  في لبنان، بعدئذ خنقت الحرب إمكانات تواصلها مع العالمية فنياً. يتذكر صالح بركات في مقابلة مع العربية عام 2013 (في أوائل السبعينيات كان هناك تقدير لشقير في لبنان على الأقل، لكن عندما وصلت إلى نقطة برهنت فيها أنها نحاتة رائدة، كانت الحرب قد بدأت). الآن – بكل أسف – هي غير قادرة على الاستمتاع بالاهتمام الذي يقدمه لها المجتع العالمي.  

BENCH, 1998, stone, 170 × 570 × 70 cm, installed in Mir Amin Square, Beirut, 2006. Copyright Solidere, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.

إن سوء التوقيت هو جزء فقط من الأسباب، فالقيمون على المتاحف والنقاد قدروا أن أعمال شقير لاقت إهمالاً بسبب قضايا الجنس والعقيدة. "شقير درزية، فرع من الإسماعيلية الشيعية التقدمية، والدروز يشكلون أقلية صغيرة في لبنان، مجتمع  الطوائف الكثيرة). كتبت هلا شقير في نص لصحيفة  Peeping Tom s Digest: (أمي لم تقدم ذاتها كفنانة امرأة)، وشقير طالما رفضت هذا التعريف. (شقير أدانت افتقار الفهم النقدي في ذلك الزمن)، كانت تُذكر في قسم النساء في الصحف (والتفسير الخاطئ لمنحوتات أمها التجريدية كأنها مجرد أعمال ديكورية).

بينما كان صالح بركات يشرف على طاولته هذا العام في متحف دبي للفن في فندق مينا السلام وطاولته الصغيرة في قسم الفن المعاصر في المعرض، أخبرنا كيف جاءت أمينة متحف تيت جيسيكا مورغان إلى بيروت عام 2009 بهدف البحث عن فنانين (كانت مجرد مصادفة. قلت لها: هناك شخص واحد يجب أن تقابليه)، قالها بمباهاة وبشكل قاطع (واحد فقط). مثل زائري المكان المكتظ الواسع رأت مورغان ما هو مثيرٌ في أعمال (قصائد Poems) و(ثنائيات Duals)، و(تراجيكتوريز Trajectories)، ونماذج مشروعات، أعقب ذلك قيام معارض مرموقة باقتناء أعمال شقير، وترافق ذلك مع معرضها الشهير عام 2013، وتوج ذلك “إعادة اكتشاف” عالمي لشقير.

 إعادة الاكتشافات – خاصة لفنانات يعشن خارج أوروبا وشمال أمريكا – تستدعي أسئلة عن التوجه لتضمينهن كجزء من التيار الفني الغربي، فالفنانة الهندية زارينا هاشمي – المولودة في 1937 والمقيمة في نيويورك – رغم أن لديها سيرة طويلة، لكنها أحدثت ضجة مفاجئة بين عشية وضحاها، عندما تم عرض أعمالها في متحف Hammer في لوس أنجلوس، ومتحف غوغنهايم في نيويورك. قدر مشابه حل بالفنانة منير شهرودي فارمانفرمايان التي تم الاحتفاء بأعمالها أواسط 2000، والشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان التي ظهر كتابها (Five Senses for One Death) الذي يطوى كالأكورديون في بينالي ويتني Whitney Biennial هذا العام، وتم اعتبارها فنانة بصرية. (كانت إيتيل شاعرة) توضح كلارا شماس، (ما من أحد كان يعتبرها فنانة، وقد بدأ الاهتمام بإحياء أعمالها عندما أعجب بأعمالها الناقد الفني وقيم المعارض هانس أولريتش أوبرست، وعُرضت أعمالها في Documenta 13، والآن هناك اهتمام كبير بأعمالها).

كل من يعرف أعمال شقير سيقول هذه حالة مختلفة. الخطوة الهامة الآن ليست الحصول على اعتراف الغرب بأعمال شقير، إنما عرض أعمالها ثانية في الخارج، وفي لبنان أيضاً، وتقديمها للأجيال التي قد لاتعطى فرصة التعرف عليها. يجزم بركات: (أنا مصر أن يتم عرض أعمالها)، ومؤسسة سلوى روضة شقير عالقة بين رغبتين متضاربتين؛ أن تجعل أعمال شقير في متناول اليد في العالم، وأيضاً أن تحترم قيمة الأعمال كما أرادت الفنانة، والذي يعني أحياناً إعادة تشكيل منحوتات في أحجام أكبر وبأبعاد أكثر جرأة امتثالاً لرغبة شقير. ويمكن بالتأكيد أن تلعب المعاهد الثقافية الرئيسة دوراً حيوياً في ترويج تلك الأعمال. بركات لا يريد أن يكون عرض شقير محصوراً على المتاحف فقط، فهو يعتقد أن مكانها الحقيقي هو أن تكون في الهواء الطلق، في متناول الجميع، وتوافقه شماس الرأي، وتقول: (نحن نريد أن نجعل لها حضوراً في لبنان، ونحاول جاهدين إقناع الجامعة الأمريكية في بيروت لتضع بعض أعمال شقير في الحرم الجامعي).

EXPERIMENT WITH CALLIGRAPHY, 1949, gouache, 48 × 31cm. Copyright Saloua Raouda Choucair Foundation, Beirut. Courtesy Agial Art Gallery, Beirut.

شقير ووضع منحوتاتها في الأماكن العامة لهما تاريخ قصير ومضطرب، ففي عام 1998 تكفلت الشركة العقارية الخاصة سوليدير Solidere بتجديد المنطقة السكنية وسط بيروت، وقامت بشراء عمل شقير  (مقعد Bench)/ 1988؛ وهو عبارة عن 17 مقعداً منحوتاً في الحجر، وقد أخذت مكانها كعمل فني عن الأثاث الحديث في ساحة المير أمين، والمنحوتة بشكل نصف قمر منحنٍ مؤلف من مقاعد غير منتظمة، ويبدو مثل حشد من الكتل المرحة.

عند وضع العمل الفني في المكان المقرر له؛ قسّمته الشركة إلى قسمين غير متساويين، وبذلك كسرت وأزالت الشكل الهلالي، وشوهت الشكل الهندسي، وبعد سنوات تغطت المقاعد بالكتابة Graffiti، وغدت ذات منظر بائس في الساحة المفتوحة بقربها، وتحولت إلى مجرد قطعة كئيبة تحت شجرة هرمة، ثم أزيلت عام 2012.   

حادثة مماثلة مخزية حصلت لإحدى منحوتات شقير التي جددتها كيرسن شايد Kirsten Scheid عام 2011، وهو العام الذي أقيم فيها معرض (حصاد شقير Restrospective) في مركز بيروت BEC، حيث أقام المتحف الجديد في نيويورك معرضاً صغيراً في الطابق الخامس عنوانه (بسبب أحداث غير متوقعة …Due to Unforeseen Events) نظمته المشاركتان في تأسيس مركز بيروت للفنون غير الربحي سارة داغر ولمياء جريج كجزء من مبادرة  في مؤسسة نيويورك Museum as Hub، وكان هناك بمساهمة شايد عمل (المنحوتة الغرائبية ومعناها المفقود)/ 2011؛ المصنوع من البوليستيرين، والذي يبلغ طوله مترين، وهو إعادة تشكيل منحوتة شقير (رملة البيضا)/ 1983من سلسلتها (قصائد)، ومعها قصاصات جرائد، وفيلم وثائقي.  

والمنحوتة المعاد صياغتها قدمت قصة قديمة تتمحور حول المنحوتة الأصلية لشقير التي قدمتها شقير بفخر في 1983 في رملة البيضا في الكورنيش الجنوبي بيروت، وكان ذلك بمناسبة احتفال باتحاد بين فصيلين سياسين متحاربين، لكن المنحوتة تعرضت لتخريب متعمد فيما بعد، قبل أن تختفي بشكل غامض، وقد أعادت شايد صياغة منحوتة شقير الحداثوية ضمن نطاق خطاب معاصر، وعلى وجه التحديد لحظة كان الفن المعاصر يميل بشكل متزايد للتنقيب في الأعمال الدفينة للأجيال السابقة في محاولة  لمواجهة أزمة هوية فيما يخص تاريخه الخاص.

وكذلك وكجزء من معرض (Nouvelles Vagues) العام الماضي في صالة Palais de Tokyo في باريس؛ عرض قيّم المعارض الهندي شاني جهافيري عمل شقير  (Paris, Beirut)/ 1948؛ في معرضه (Companionable Silence) إلى جانب أعمال فنانات “مهملات” وفنانات لسن غربيات، وفنانات معاصرات مثل كاميل هينروت Camille Henrot، في محاولة لاستقراء أسباب تهميش أولائك النساء، والمعرض – مثل تركيب شايد – يذهب أبعد من المواجهة المبسطة للماضي والحاضر؛ إلى تحديد لحظة حساسة من تمزق العلاقة بين الفنان والجمهور، والقصد والتلقي، والإبداع والتقدير، هذا النوع من الانفصام الذي خيم على حياة شقير إلى الماضي القريب. بينما يبدو مسار حياة شقير الفنية الآن قد اكتمل، أي ترسخ تراثها في النهاية، ومؤخراً “تصححت” ذاكرتنا، لكن الآن فقط يبدأ المسار الحقيقي للتاريخ. ربما نكون نجحنا في إنقاذ سلوى روضة شقير من النسيان، لكن ما يزال هناك الكثير مما علينا أن نفعله من أجلها لتبقى حية في الذاكرة.