P
R
E
V
N
E
X
T

UNTITLED (WATER), 1990, six double-sided lightboxes with 12 color transparencies and 30 mirrors, 116.8 × 1356.3 × 71.1 cm. Installation view from the exhibition “It Is Difficult” at Hangar Bicocca, Milan, 2008. Courtesy the artist and M+, Hong Kong.

كيف نرى، ولماذا؟

Alfredo Jaar

USA Hong Kong Vietnam Japan Korea, South Myanmar
Also available in:  Chinese  English

منذ الثمانينيات تعاملت أعمال ألفريدو جار مع الأشكال والأخلاق، من خلال تحمّل الفن مسؤولية الظواهر المعقدة في المجتمع، وقد أبدع الفنان لغة تخترق الآليات التي تفقِد الأفراد والجماعات إنسانيتهم في لحظات من الاضطرابات في تاريخنا الحديث، وذلك في توثيق مأساة “قوارب الموت” الفيتنامية من أواخر السبعينيات وحتى أوائل التسعينيات، والآثار المترتبة على كارثة الإبادة الجماعية في راوندا عام 1994، أو في توثيق الكوارث مثل زلزال فوكيشيما في اليابان. حيث أن فن جار يقترح دائماً سياسته الخاصة للوحة.  

 ولد الفنان في سانتياغو في تشيلي عام 1956، ويقيم في نيويورك منذ 1982. درس الإخراج السينمائي والهندسة المعمارية، وهذان العملان شكلا غالباً تركيباته المثيرة لنقد تصوير وسائل الإعلام للمآسي الإنسانية، إلى جانب عدد هائل من المعارض الفردية في صالات عرض ومتاحف في أنحاء العالم. أبدع جار أكثر من ستين أداء فني، وشارك في بينالي فينيسيا في الأعوام 1987 و2007 و2009، كما مثّل تشيلي عام 2013، كما شارك في بينالي ساو باولو في الأعوام 1987 و1989 و2010، وشارك في دوكيومينتا/ 1987 و2002،  وفي عام 2016 أقيم معرضان لأعماله في جوهانسبرغ في متحف الفنون “ويتس” وصالة غودمان،  كما عرض مشروعه ديفينا (HK)/ 1990؛ في هونغ كونغ في “بارا سايت” في معرض (بعد العمل) كجزء من مشروع (المهاجرين في هونغ كونغ). 

ومن أجل مجلتنا آرت آسيا باسيفيك راسلَ جار القيّم المشارك لـ (بعد العمل ) إنتي غويريرو، وإستريليتا بي. برودسكي القيّم المساعد لفن أمريكا اللاتينية في صالة “الفن في تيت”.    

لماذا قررت الذهاب إلى هونغ كونغ عام 1990؟

     كنت أتابع البحث في مأساة قوارب موت الفيتناميين عدة سنوات. قرأت كل الأخبار التي لها علاقة بالموضوع بمزيد من الرعب والحزن. كان ذلك قبل عصر الإنترنت، وهكذا فإن كل المعلومات التي استطعت جمعها كانت من الصحف ومجلات الأخبار. بعد النجاة من الحرب الفيتنامية (1955 – 1975) التي خلفت ملايين القتلى؛ كانت البلد قد تضررت كثيراً بسبب الحظر التجاري الهمجي الذي فرضته الولايات المتحدة، وقوض اقتصادها على نحو شديد، الأمر الذي فرض على الناس الهجرة الجماعية عبر بحر الصين الجنوبي، مخاطرين بأرواحهم، فقط ليتم استقبالهم في هذه الظروف التي لا تطاق في معسكرات لجوء. 

تعلمت أنه حين يحتشد آلاف اللاجئين في مخيمات في ماليزيا وسنغافورة وتايلاند وأندونيسيا وهونغ كونغ والفيليبين وحتى الهند؛ فإن هؤلاء الذين يملأون تلك المخيمات هم أبرياء غادروا فيتنام بحثاً عن حياة أفضل. وهم الناجين من تلك الرحلة القاسية، أي ربما 20 إلى 30% من حوالي مليون، نصفهم لقي حتفه في البحار العاصفة. 

وقد قيل إن أكثرهم مات على يد القراصنة التايلانديين الذين سلبوا قواربهم وأغرقوها. ومن المعروف على نطاق واسع أيضاً أن آلاف النساء والفتيات الصغيرات اغتصبن وقتلن، أو تم بيعهن إلى بيوت الدعارة في تايلاند. وقد وصل الأمر إلى درجة أنّي أردت الذهاب لأشاهد بعيني.

لكن ما أثار رحلتي في النهاية إلى هونغ كونغ؛ عندما علمت أن الحكومة الاستعمارية البريطانية هددت بترحيلهم إلى فيتنام، وأن مئات من رجال القوارب في المخيمات أعلنوا اتفاقاً على الانتحار الجماعي. وقد قرأت من قبل عدة قصص تشوه ذوات اللاجئين الذين أصروا أنهم يفضلون الموت على العودة إلى ديارهم، لكن هذه المرة أعلنوا أنهم جاهزون للانتحار الجماعي، كما قرأت أن عائلات عديدة في معسكرات الاعتقال تسممت بسم الفئران، ولهذا كان علي أن أذهب.

OPENING NEW DOORS, 1991, text project on vinyl, 20.3 × 30.5 cm. Courtesy the artist.

في التسعينيات كيف تمثيل وسائل الإعلام العالمية لمأساة أناس القوارب؟ وكيف يمكنك وصف إحساسك عندما جاءت أسرتك إلى هونغ كونغ وشاهدت المأساة بعينيك؟

صيف 1988 قررت حكومة هونغ كونغ وبدعم كامل من المملكة المتحدة؛ أن كل المهاجرين الفيتناميين واللاجئين الذين يصلون إلى هونغ كونغ سيعاملون كمهاجرين غير شرعيين، ومع هذا القرار القاسي حولت المملكة المتحدة هؤلاء الناس الأبرياء إلى أجانب غرباء، وبدأوا معاملتهم كمجرمين.

عند وصولي إلى هونغ كونغ اكتشفت أن الغالبية العظمى من أناس القوارب المسجونين كانوا من هاي فونغ التي دمرت نصفها طائرات إف 52 خلال الحرب 1972، وهؤلاء كانوا الناجين من هاي فونغ، وكانوا يعاملون كمجرمين.

بعدما زرت مركز احتجاز وايتهيد في الأراضي الجديدة لم أستطع النوم، ولم أستطع إبعاد صورة حاجز الأسلاك الشائكة الذي يرتفع 20 قدماً ويسوّر المخيم. كان لقاء مئات الأطفال الذين يعيشون في المخيم محزناً إلى أبعد الحدود، فمعظمهم ولد في المخيم، ولم يروا ما يوجد خارجه أبداً.

وصدمت أيضاً بصورة خاصة، وبالحالة الحزينة التي لا تصدق لأولئك الذين يسمون “آسيا أمريكيون”، وهم أطفال تم التخلي عنهم للجنود الأمريكيين، كانوا قد غادروا فيتنام أملاً بالاجتماع مع آبائهم في الولايات المتحدة، وسجنوا في هونغ كونغ. لقد قابلت العديد منهم. 

وتشير التقديرات أن هناك مئات الآلاف منهم في كل المخيمات في أرجاء جنوب آسيا، والقراءة  حول ذلك في وسائل الإعلام هو مختلف تماماً عن تجربة عيشها، فرؤية صورتين بالأبيض والأسود مطبوعتين في جريدة لا يشبه أبداً تجربة أن ترى ذلك بعينيك، هو أمر مختلف تماماً. إنه نوع من تجربة الحياة الحقيقية التي أعتمدها وتغذي عملي الفني.

طورت سلسلة أعمال رائدة من تلك الزيارة. هل يمكنك إخبارنا عن قصدك؟ وكما في معظم أعمالك يبدو (مشروع هونغ كونغ) كأنه يعبر عن الصدمة من التاريخ الحديث وسياسات صناعة اللوحة؟

البداية كانت مع سفري إلى هونغ كونغ وزيارتي المخيمات، وهي طريقتي المتواضعة لأعبر عن تضامني مع أناس القوارب المسجونين هناك. تعلمت كم هو مهم أن تكون موجوداً وتتحدث مع الناس، وتستمع إليهم، وتدعوهم ليعبّروا عن مشاعرهم، وتمنحهم فضاءً للإفصاح عن مآسيهم وآمالهم. والعمل التالي الذي قمت به كفنان لا أهمية له مقارنة مع ما أستطيع تحقيقه كوني هناك، علماً أني لست الوحيد، فهناك عدة منظمات حكومية، وأحياناً قلة من الصحافيين ومصوري الصحف، وقد اعتبرت دائماً أن هؤلاء الشهود المختلفين هم علامات التضامن مع المأساة، وشعرت أن دورهم الداعم لن يفهم على حقيقته أبداً.  

لكني فنان في النهاية، وأدرك تماماً أن القضايا الحقيقية لجمهوري هي الأعمال الفنية التي أبدعها كنتيجة لهذه التجربة، فقمت بعمل أربع سلاسل من التصوير الفوتوغرافي، وكل واحدة منها ذات تصنيف مفاهيمي واضح، وعدد قليل من الأعمال الفردية بين هذه السلسلة. 

والأعمال الفوتوغرافية عنوانها (مياه “غير مُعَنونة”)/ 1990، (فتح أبواب جديدة)/ 1991، (الزوال)/ 1991 – 1993، (نغوين مائة مرة)/ 1994. وكما أشرتَ بشكل صحيح تماماً، فأنا في هذه السلاسل مهتم بصدمة التاريخ والسياسة من الصور.

تمثل (مياه “غير مُعَنونة”) المأساة بكل لامعقوليتها وأحزانها، وتركز على حبس أناس الزوارق، وعلى الحرية "البحر"، أما (فتح أبواب جديدة) فتشير مباشرة إلى سياسة فتح الحدود للاتحاد الأوروبي التي يجري تنفيذها ضمن اتفاقية شينغين/ الروح التي لم تمد الحكومة البريطانية الاستعمارية مفعولها إلى هونغ كونغ، ياللعار! 

فيما تعلق سلسلة (الزوال) على التاريخ الذي تلاشى واللوحات التي اختفت، وأنا أحيا هذا التلاشي، وأخيراً (نغوين مائة مرة) تركز على شخصية واحدة، وهي طفلة قابلتها في مركز مخيم بيلار بوينت ولدت فيه، وفي ذلك العمل أسميتها، ورويت قصتها للجمهور، وآمل أن يكون الشعور بالتعاطف قد أصبح ممكناً. 

UNTITLED (WATER) (detail), 1990, six double-sided lightboxes with 12 color transparencies and 30 mirrors, 116.8 × 1356.3 × 71.1 cm. Installation view from the exhibition “It Is Difficult” at Hangar Bicocca, Milan, 2008. Courtesy the artist and M+, Hong Kong.

UMASHIMENKANA (detail), 2013, video projection, 12 blackboards, Plexiglas structure and chalk, dimensions variable. Courtesy the artist.

مطلع التسعينيات اشتغلت ثلاثة أعوام على (مشروع هونغ كونغ)، هل عدت إلى آسيا؟ وهل طورت مشاريع جديدة حول القارة؟

أنتجت مجموعة كبيرة من الأعمال في اليابان، فمثلت لوقت طويل كينجي تاكي الذي يملك صالة عرض في طوكيو، وأخرى في ناغويا. ومعظم مشروعي الأخير في آسيا كان نصباً تذكارية من أجل ضحايا زلزال توهوكو في آذار/ مارس 2011، ثم تسونامي الذي كان مأساة كبيرة خلفت نحو 20 ألف قتيل، وحتى وقت كتابتي هناك مليون شخص تقريباً بلا مأوى بعد خمس سنوات من المأساة، وقد أسميت مشروعي (يوماشيمينكانا) أي (سنخلق حياة جديدة)/ 2013؛ وهو عنوان قصيدة الشاعرة الاستثنائية والناشطة المناهضة للأسلحة النووية ساداكو كوريهارا (1913 – 2005) التي توفيت قبل عقد من الزمن. 

في عام 1945؛ كانت تعيش في هيروشيما عندما سقطت عليها القنبلة النووية، لكنها نجت من الموت، وفي مساء ذلك اليوم قدمت المساعدة لجارتها التي ولدت طفلاً، ثم كتبت فيما بعد تلك القصيدة المميزة عن الحاجة لإيجاد حياة جديدة حتى  في مواجهة مأساة لا حد لها، وفي هذا العمل أنحني إجلالا لها، وللأطفال الذين قضوا في مدرستهم في إيشينوماكي خلال كارثة 2011. وبكل أسف؛ فقد أعطاهم معلمهم معلومات خاطئة عن إجراءات السلامة، فهلكوا عندما ضرب تسونامي مدرستهم، ولهذا صنعت نصباً من سبورات وجدتها في المدرسة المدمرة، وحسبت أنها تلقت 15 ألف ساعة نظر من أولئك التلاميذ، واعتقدت أنها تحتوي على كل أحلامهم.

UMASHIMENKANA (detail), 2013, video projection, 12 blackboards, Plexiglas structure and chalk, dimensions variable. Courtesy the artist.

كما عملتُ في كوريا الجنوبية، حيث بدأت مشروعاً حول المجاعة في كوريا الشمالية (جاي غونغ هام)/ 2000؛ فوسائل الإعلام العالمية تركز فقط على بيونغ يانغ كلما صرّح ديكتاتورها كيم جونغ أون، أو أطلق صاروخاً ليخلق بعض الضجيج، لكنها تتجاهل بلا خجل حقيقة أن من مليونين إلى ثلاثة ملايين شخص في كوريا الشمالية ماتوا من الجوع في العقد الأخير. هناك حقيقة معروفة على نطاق واسع، وهي أن الكوريون الشماليون في حالة من اليأس المطلق، فبدأوا يستخدمون الأعشاب والصابون بديلاً عن الطعام. 

مشروعي هذا جمع نحو 20 ألف دولار أمريكي، وهو يعادل في كوريا الشمالية حوالي 200 ألف دولار أمريكي في قوّته الشرائية، وقد حولنا المبلغ إلى مصنعين للعجائن عن طريق منظمة دولية غير حكومية، والكوريون الجنوبيون الذين تبرعوا كانوا أسخياء بشكل لا يصدق، كما كانوا ممتنين لأنهم تمكنوا من مساعدة جيرانهم الشماليين.

بكل أسف – وكما تعرف – فإن أزمة أناس القوارب الجديدة تطورت في السنوات القليلة الأخيرة. وأنا أفكر بـ 1.3 مليون من الروهينغيا في بورما الذين يعانون من محنة تتجاهلها كل بلدان جنوب آسيا، وقد أصبح الأمر بصورة متصاعدة أزمةً إنسانية لتلك الأقلية المسلمة عديمة الجنسية، والتي تعاني من اضطهاد وحشي في بورما من قبل الجيش والغوغاء المتطرفين. أنا أراقب هذه المأساة مع شعور بالحزن بأن هذا المشهد يتكرر، وقد خبرته من قبل، ولا أعتقد أنّي أملك القدرة الكافية لتحمل هذه المأساة الجديدة.

أنت واحد من الفنانين القلائل من خارج آسيا الذين ينتجون أعمالاً كثيرة عن القارة. فما الذي جذبك إلى الثقافات والمجتمعات الآسيوية؟

أنا معجب كثيراً بمجموعة من الفنانين اليابانيين من مرحلة الستينيات، مثل كاوارا، يايوئي كوساما، جيرو تاكاماتسو، أتسوكو تاناكا، جيرو يوشيهارا، وجينبي أكاساغاوا، وقد جمعت أعمالهم على مدى أعوام. حتى أنّي قدمت محاضرة العام الماضي عن أون كاوارا بمناسبة معرضه الاستيعادي في متحف غوغنهايم في نيويورك. كما أتابع عن قرب التطور المعماري المعاصر في اليابان، لأني معجب للغاية – على سبيل المثال – بكل من كازو سيجيما، وشيجيرو بان، وتويو إيتو، وفي كل مرة أزور فيها اليابان أخصص يوماً أو يومين لأرى أعمالهم الجديدة. هذا الشغف بالثقافة اليابانية دفعني لدراسة اللغة اليابانية بعض الوقت، لكنّي وبكل أسف لم أتقدم فيها جيداً.

وأنا قارئ نهم للشعر الياباني، وبصورة خاصة قصائد الهايكو. في الحقيقة أستعمل نموذج الهايكو كمصدر إلهام لأعمالي، وأحاول دائماً أن أكون فعالاً مثل الهايكو في كل عمل من أعمالي للتعبير عن الأقصى بأقل الأدوات، وكلما حررت عملاً إلى جوهره العاري؛ أفكر دائماً بالهايكو، فالاقتصاد في الوسائل في الهايكو الرفيع يدوخني، وأنا أطمح لأجسد هذا النموذج. لكن – كما تعرف – السياق بالنسبة لي هو كل شيء. 

عندما دعيت للعمل في هذه البلدان الآسيوية؛ كان من الطبيعي أن أستجيب لما أعتبره أكثر القضايا أهمية في ذلك الوقت، لكن بكل أسف كانت معظم تلك القضايا تراجيدية، وهكذا رددت على تلك التراجيديات، وبدورها أصبحت مركز معظم مشاريعي الآسيوية. 

LAMENT OF THE IMAGES, 2002, three illuminated texts, light screen, text by David Levi Strauss, dimensions variable. Installation view from Documenta 11, Kassel, 2002. Courtesy the artist and Galerie Lelong, New York.

تركيب (في رثاء الصور)/ 2002؛ أحد أعمالك التي لا تنسى، ليس فقط لأنه كان عملاً بارزاً في دوكيومينتا 11/ 2002، إنما لأنه أصداء لعناصر من أعمالك السابقة في مهاجمة المؤسسات الدينية والتقليدية، حيث لا صور تستطيع رواية التراجيديا. كما أن ذلك العمل مشغول في لحظة كنّا فيها ندخل قرناً جديداً من الإفراط في الصور الافتراضية. هل يمكنك أن تحدثنا عنه؟

نفذت عمل (في رثاء الصور) فوراً بعد انتهائي من (مشروع راواندا)/ 1994 – 2000؛ فكان أطول مشروع لي حتى الآن، وبالطبع الأكثر صعوبة. 

لقد قتل مليون شخص في أقل من مائة يوم بلامبالاة إجرامية لما يسمى بالمجتمع الدولي. زرت راوندا وبوروندي وزائير في آب/ أغسطس 1994 بعد انتهاء عمليات القتل، وكانت تلك الإبادة الجماعية الثالثة في القرن الماضي، أردت مشاهدة ما بعد الإبادة، وقد وضعت نحو 25 مشروعاً مختلفاً خلال ستة أعوام، لكنها فشلت جميعها فشلاً ذريعاً. لقد جوبهت باستحالة تمثيل مأساة لا حدود لها مثل الإبادة الجماعية. لكنّي تابعت العمل. 

كيف لك أن تصنع عملاً من دون المعلومات التي يتجاهلها معظم الناس؟ كل مشروع من تلك المشاريع الـ25 أصبح محاولة للإجابة على ذلك السؤال، وأصبحت تمرينات على التمثيل. فاكتشفت أن الحقيقة لا يمكن أن تمثّل، والفنان يستطيع فقط أن يخلق حقائق جديدة. لكن توجد فجوات هائلة بين الاثنتين. 

لم أوافق على قول أدرنو بأن (كتابة الشعر بعد محرقة أوتشيفيز بربرية)، إنما كنت ميالاً أكثر إلى موقف بول سيلان، ومصرّاً على العكس، أي أن كتابة الشعر بعد مأساة أوتشفيز كان أكثر ضرورة من أي وقت مضى. حيث كتب: (المعاناة لها الكثير من الحق في التعبير، مثلما للمعذَّب الحق في أن يصرخ). لكني أعترف أيضاً أنه كما كتب أدريان ريتش: (هذه الليلة ما من شعر يفيد)، ليس بياناً اتهامياً للشعر، لكنه يقول عوضاً عن ذلك إن الشعر يفيد في معظم الأحيان، لكن يجب أن يسمح له بأن يفشل. وفي حالة راواندا كان عليه أن يفشل.  

إن تجربة راواندا التراجيدية تغييراً راديكالياً في عملي، وتأسيساً لما يتعلق باستخدامي الصور بطريقة ما، فقد اعترتني هزة كبيرة من عدم الثقة، ولم أكن متأكداً فيما إذا كان افتقار صوري للتأثير علامة لمجتمع غير مكترث، أو أنها غير قادرة بطبيعتها على إحداث التغيير.

(في رثاء الصور) تعبير عن كل شكي العميق والمأزق الوجودي الذي كنت أواجهه آنذاك. كان محاولة لخلق جديد: (ليكن النور)، ولتقديم تجربة راديكالية يمكن أن تساعدنا على الرؤية بشكل أفضل. إن الشاشة البيضاء في هذا العمل تحتوي على كل الشكوك، لكن من الغرابة أيضاً بمكان أن تحمل كذكك كل أمل في داخلي.

مع صعود اليمين المتطرف الجديد في عدة قارات كنوع من الفاشية العالمية، والذي يصعد الكراهية والأصوليات الدينية الراديكالية في كل مكان، هل أصبحت أزمنتنا الحالية ميؤوساً منها؟ وكيف للمرء أن ينتج صورة حين نشاهدعلى هواتفنا الذكية أشرطة فيديو حية عن لاجئي الحرب وهم يضربون على حدود أوروبا؟

   إن رد الفعل الأوروبي على أزمة الهجرة الحالية مشين، والأوروبيون مذعورين في مواجهة مليون مهاجر يمثلون أقل من 0.3 من تعدادهم، وبينما استقبلت تركيا أكثر من مليونين، ولبنان مليونان ونصف، والأردن ما يقارب المليون، فإن هنغاريا كانت في واجهة الفاشية الأوروبية الجديدة، في حين تجاهد ألمانيا لأن تكون كريمة، وحتى اسكندنافيا ملوثة الآن، فالدانمارك حالياً تأخذ كل الأشياء الثمينة من اللاجئين الذين يدخلون البلاد، والشيء الوحيد الذي لم يسرقوه منهم هو خواتم الزواج!

إن ما يسمى أزمة الهجرة ليست أمراً جديداً، إنما تطورت عبر سنوات، لكن الوجوه كانت سوداء، فقد وصل المهاجرون إلى جنوب أوروبا، أي إيطاليا وإسبانيا واليونان، ولذلك لم تبدِ أوروبا أي اهتمام، وبالطبع الآن يصل اللاجئون إلى كل مكان، ولا يمكن تجاهلهم على الإطلاق.

بعدئذ جاءت قضية الطفل ابن الثلاث سنوات الذي لفظته المياه على الشاطئ في تركيا صباح يوم أربعاء في أيلول عام 2015. تلك الصورة التي غيرت التاريخ، وتوقف العالم بسببها، وقد تصدرت الصورة الصفحة الأولى من كل جريدة في العالم، وأثارت الكثير من ردود الفعل من خلال الافتتاحيات والمقالات، وانتشرت مثل فيروس في وسائل الإعلام الاجتماعية، لأن الصور ما تزال قضية مهمة، وهي تستطيع التأثير على فهمنا للعالم، لكنها تجاهد لتبقى على قيد الحياة في بحر من الاستهلاك، والأمر متروك لنا نحن الفنانين ومنتجي الأعمال البصرية، لنؤكد أننا نقوم بما يجب علينا القيام به، وهذا هو السبب في أن الفن مهم. 

إننا نبدع نماذج للتفكير حول العالم، ومن أجل العالم، عبر الصور والكلمات، وما يسمى عالم الفن هو عالمنا الصغير، إنه ليس مثالياً، لكنه آخر فضاء متروك للحرية. 

SIX SECONDS, 2000, from “The Rwanda Project” (1994–2000), lightbox with color transparency, 182.8 × 121.9 × 19 cm. Courtesy the artist and Kenji Taki Gallery, Tokyo.