P
R
E
V
N
E
X
T

ALFREDO JAAR, 1+1+1, 1987, photographic installation that was commissioned for Documenta 8, Kassel. Copyright Alfredo Jaar. Courtesy Galerie Lelong, New York.

SIAH ARMAJANI, Elements #2, 1986, painted wood and stained glass, 320 × 193 × 76.2 cm, which exhibited at Documenta 8, Kassel, 1987. Courtesy the artist.

دوكيومينتا Documenta

Germany
Also available in:  Chinese  English
اعتاد مؤرخ الفن الراحل “روبرت روزينبلوم” القول برتابة هادئة تخفي المدى الموسوعي لمعرفته: (التاريخ فوضى.. إنه يفتقر دوماً إلى تلك الأناقة التي يظهر بها في الكتب)، وكم سيرى هذا العقل الكاثوليكي المدهش الغارق في دقائق التاريخ وأسراره تضاعف نسب الفوضى هذه الأيام، حين انتزع “العالمي” لقب مركز الاضطراب من "الغرب"، وحين بدأ “الآخر” يعيد كتابة تاريخه بوفرة.

تلك الفوضى ـ وهي بالتأكيد من عواقب الحداثة التي لا مفر منها ـ قد تكون هي التي دفعت “روجر بويرغل” إعادة تناول لوحة “بول كْلِي” الشهيرة (Angelus Novus)/1920؛ الموضوعة عند السلم الرئيس لمتحف “فريدريسيانوم Fridericianum” في آخر معارض دوكيومينتا سنة 2007، ولم يكن عمل “كْلِي” المعروض أصلياً ـ بكل ما يحيط بالأصل من حضور وهالة ـ بل كان مجرد صورة عنه، ولكن الجموع التي تعرف الموضوع جيداً لم تستطع أن ترى في اللوحة إلا تذكاراً لتأويل “والتر بنيامين” الخالد لها باعتبارها (أنجلوس نوفوس ـ ملاك التاريخ)، وذلك في مقالته (أطروحات حول فلسفة التاريخ)/1940.

هكذا إذن.. في مستهلّ ما يراه الكثيرون أهم معرض ثقافي للفن المعاصر في العالم، شكّلت نسخة طبق الأصل تذكاراً بأصلها الذي ما حضر إلا لكي يمثّل صورة ملحمية للتقدم التاريخي، ولم تكن سوى عبارات الفيلسوف الأكثر شهرة في تحليله لآثار الأصول وإعادة الأصول.

وقد كان ذلك مجازاً صائباً للمصير المحتمل للفنانين وللأعمال الفنية في معارض عملاقة كهذه، مما ألهمني أنا شخصياً تخيل ملاك “كْلِي” الضئيل وهو يصفق بجناحيه بما يشبه بهجة التعرف على الذات حين دمّرت ريح عاصفة عمل (قالب)/2007؛ آخر صرعات “آي ويوي” الفاتنة المكونة من 1001 باب وباب؛ أبواب مكدسة تعود لسلالات صينية غابرة، وذلك في الأسبوع الافتتاحي لدوكيومينتا، لتصبح فيما بعد كومة من الركام في العالم الحقيقي.. حقاً إنه تقدم تاريخي حين يصبح فنان صيني إشكالي بحكم الواقع نجماً للمعرض.

أولئك الذين أبصر تشكلهم الثقافي النور في تسعينيات القرن الماضي وما تلاها؛ ربما أصبحوا يرون في عالم الفن فضاءً أكثر اتساعاً وتنوعاً، ولا سيما بعد “دوكيومينتا11” سنة 2002؛ الذي كان بإدارة “أوكوي إنفيزر” التي أبدت اهتماماً أكبر بـ التكنيكولور الكوني، وذلك بعد تاريخٍ من تسلط رتابة الأبيض والأسود الغربي الإقليمي، وهو الرأي الذي يتبناه إعلان فيلم تاريخ دوكيومينتا، ومعه تاريخ الفن المعاصر بأكمله.

ولا شك أن دوكيومينتا 11" ـ الذي استفاد من الزخم والصرامة الفكرية لنسخة معرض 1997 بإدارة “كاثرين ديفيد” ـ كان بالتأكيد نقطة تحول في إزاحة ميزان القوى ودوائر معايير العرض بعيداً عما يسمى المركز.

يبقى إذن أن يجد المرء بين أنقاض المعارض السابقة تفاصيل جذابة فوضوية تستحق التوقف عندها.

لنأخذ على سبيل المثال نسخة “دوكيومينتا 9” الذي أقيم سنة 1992 بإدارة “جان هويت”، فقد كتب “غاي بريت” في مراجعته المنشورة في “Third Text 20” خريف 1992: (لأول مرة يقوم معرض دوكيومينتا هذه السنة بضم أعمال عدد من الفنانين الذين لا ينتمون في أصولهم إلى العالم الأول، وقد رحب بهذا التغيير كثيرون ومنهم “ديفيد هامونز” الذي صرّح بأن هذا الجانب وحده كفيل بأن يجعل من دوكيومينتا 1992 نجاحاً هائلاً).

من المحتمل أن “هامونز” لم يكن يعني هنا دزينة الفنانين ذوي الأصول اليابانية أو الكورية، كما لم يدر بخلده أيضاً الفنانين الهنديين “أنيش كابور” و"بهوبن خاخار" صاحبا الحضور البارز في المملكة المتحدة، وربما لم يفكّر في “مارلين دوماس” الجنوب إفريقية المولد، الهولندية المستقر منذ أكثر من عقد، ولا “إليا كاباكوف” الذي كان حينها يقطن في الولايات المتحدة، بل أرى أن ما عناه “هامونز” بهذا التصريح هو مواطنه “جيمي دورهام” الذي كان مقيماً آنذاك في المكسيك، والنحات السنغالي “عثمان سو”، والنحات النيجيري المولد “مو إدوغا”، بالإضافة إلى قطاع من الفنانين الشهيرين حالياً القادمين من جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، مثل “غيليرمو كوتيكا”/الأرجنتين و"إيغينيو ديتبورن"/تشيلي و"ريكاردو بري"/كوبا و"والتيرسيو كالداس وسيلدو ميريليس"/البرازيل، وآخرين.

وفي حين قد يصف البعض إدارة “هويت” بأنها مجرد توسيع لنموذج المركزية الغربية، فإنني أميل للاتفاق مع قول “هامونز”: (نحنا لسنا في مدينة كنساس بعد اليوم).

وإذا نقّبنا أكثر في ماضي دوكيومينتا فسوف نجد تنوعاً مدهشاً بين المشاركين، إذ بعيداً عن الفنانين ذوي الأصول الشرق آسيوية الذين نتوقع رؤيتهم في محافل دولية كهذه، مثل “كومي سوغاي” و"إسامو نوغوتشي" (دوكيومينتا 2 و3)، و"ديفيد ميدالا" (دوكيومينتا 5)، و"يوكو أونو" (دوكيومينتا 5 و8)، و"ليي أوفان" (دوكيومينتا 6)، و"أون كاوارا" (دوكيومينتا 6 و7 و11)، و"نام يونك بيك" (دوكيومينتا 6 و8)، فإنني مأسور بالأسماء العديدة المجهولة بالنسبة لي من ضمن أكثر من 40 فناناً شرق آسيوي شاركوا في (دوكيومينتا 2 وحتى 8)، أي من سنة  1959 وحتى سنة 1987، وإذا كان من غير المدهش رؤية الكثير منهم قد هاجروا أصلاً إلى حواضر غربية وقت مشاركاتهم، فإن الكثير أيضاً اختاروا البقاء في أوطانهم.

فمن الروعة مثلاً أن نجد مسيرات فنية كالتي جسدها الرسام الهندي المولد البريطاني الإقامة “أفيناش شاندرا” في (دوكيومينتا 3/ 1964)، ومثل حضور السينما الإيرانية في (دوكيومينتا 6/ 1977) من خلال “داريوش مهرجويي” و"سهراب شهيد ثالث"، ومشاركة النحات الأمريكي الإيراني المولد “سياه أرماجاني” في 3 دورات هي (دوكيومينتا 5 و7 و8)، وفي فترة الثلاثين سنة تلك شارك في دوكيومينتا أكثر من 30 فناناً من أمريكا اللاتينية قبل أن تظهر في مسرح الفن العالمي أية دعوات لاحتضان تنوع الإنتاج الثقافي الكوني ـ أو لنقل ـ قبل أن يصبح لهذه الدعوات أنصار ومريدون.

والطريف هنا أن إدارة “رودي فوخس” لـ (دوكيومينتا 7/ 1982) ـ التي قرّعها “بنيامين بوتشلو” على صفحات مجلة (October 22) خريف 1982، واصفاً إياها بـ: (قاموس الأفكار الجاهزة) ـ كانت على درجة من المحافظة الضيقة، إلى درجة بدت معها نسخ المعرض السابقة عالمية في انتقاءاتها، وأياً كان المعنى الذي أسسه دوكيومينتا لكلمة “شامل” بحلول سنة 1982، فإنه كان غائباً بالتأكيد عن مرجع “فوخس”.

شهد المعرض ما قبل وبعد نسخة “رودي فوخس” الجهود الإدارية للمؤرخ ومنظم المعارض الأقل شهرة “مانفريد شنيكنبيرغر” سنتي 1977 و1987، أما الأخيرة فقد نُظِّمت على عجل بعد انسحاب “إدي دي وايلد” و"هارالد ستزيمان" من المشروع في منتصف الطريق.

ولا عجب إذن أنه في أعقاب إدارة “ستزيمان” الرائدة لنسخة 1972 بدا المعرض (وأقصد هنا إستراتيجياته التنظيمية، لا الأعمال المعروضة بعينها) مثل معقل عابس ورجعي محافظ من الثمانينيات، والتي تمثل دركها الأسفل في نسخة 1982.

وفي السياق الأوسع لنكوصات الثمانينيات الاجتماعية السياسية بدا أن كل ما شهدناه من تنوع في الدورات السابقة قد غدا طي النسيان، ولا عجب أيضاً أن الإنشاءة التصويرية “1+1+1” للفنان التشيلي المولد “ألفريدو خار” بصناديقها المضيئة الثلاثة التي عُلِّقت بشكل منخفض، والتي تُظهر على نحو درامي صوراً مقصوصة ومقلوبة لأطفال معدمين، كانت كمن تغرد وحدها في (دوكيومينتا 1987)، لتكون مبشرة بالإصلاحات مابعد الاستعمارية المعتملة وراء الستار، والتي ستشهد تمثلها المؤسساتي الأكمل بعد 15 سنة، وتحديداً في (دوكيومينتا 11)، أجل.. إن التاريخ فوضى، لكن إذا غربلته سيمنحك منظوراً مبرهناً.

الآن لدينا مجموعة أفكار معتمدة موزعة في جرعات خفيفة، مثل ذلك التعليق الذي كتبه “جينس هوفمان” سنة 2008 في مقالته (حفريات الحاضر: حول تنظيم المعارض)، والذي يشبه تقديماً لطيفاً وأنيقاً في حصة صفية، إذ يقول: (قبل وصول خطابات نظرية مابعد الاستعمار وسياسات الهوية إلى غرف تنظيم المتاحف؛ كان من غير الاعتيادي رؤية عمل لفنانين من خارج منظومة أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية، وبينما أحدتث قلة من معارض المتاحف المهمة تغييراً في هذا السياق، فقد كان للبيناليّات الكبرى والمعارض الجماعية الدولية واسعة النطاق؛ الفضل في تقديم لمحة عن الفن حول العالم في محفل دولي هام، كما كان الحال بالنسبة لدوكيومينتا 1997 و2002).

لكنني لست مقتنعاً بعد بأنه كان من غير المعتاد رؤية التنوع، كما يزعم عادة (رغم إقراري بأن أعمالاً كتلك ما كانت لتُرى كما نراها الآن، ولا سيما تلك التي تعرف نفسها بالاختلاف الثقافي). كيف إذن رأى “سوغاي” و"كاوارا" و"لي" و"نوغوشي" و"بايك" وآخرون ممن لم تعد تتذكرهم صفحات التاريخ؟ وكيف رآهم الآخرون أثناء مشاركتهم في دوكيومينتا؟ هل علينا ببساطة إذن أن نتجاهل عشرات الفنانين من مختلف أنحاء العالم باعتبارهم استثناء “الأقلية” الذي يبرهن قاعدة “الأكثرية” في ذلك الزمن الغابر من الدورات؟

وهنا تجدر الإشارة إلى واحد من أكثر التعليقات على المعارض الدولية واسعة النطاق فطانةً، وهو ما قاله “باسكال غيلين” في (التذمر من الكثرة الفنية: الفن الكوني، والذاكرة، وما بعد الفوردية)/2009، إذ يقترح مصيباً: (لا يمكن تفسير غزارة البيناليّات من دون الإشارة إلى الحماس الذي تلقاها به السياسيون والمديرون وغيرهم من الرعاة، وهذا الاهتمام اللامتجانس هو نفسه ما يجعل من البينالي محل ريبة وشكوك)، ويواصل الكاتب شرحه: (يتمتع منظم المعارض العامل في نطاق عالمي ـ بل كل عامل في مجال الفن العالمي على الإطلاق ـ بالملذات التي يمنحها اقتصاد السوق النيوليبرالي واسع الانتشار اليوم).

ويقاسم “غيلين” كثيراً من النقاد قلقهم بأن (البينالي ـ أو لنقل الانتشار المفرط للبيناليّات ـ لا يمنح مجالاً واسعاً للتاريخية، وأقل منه ذاك الوقت المعطى للبحث الجاد، بالإضافة إلى تجاهلها للمحلية).

وحسب رأيي فإن أصالة التاريخ المتمثلة في خصوصية المكان، والناس، والأشياء، والنزوح والعودة، هي مثل حصن بسيط وقوي ضد ضحالة السؤال التاريخي الذي نراه متجلياً في الاستعراضات المسحية “العالمية”.

وعلى الرغم من نفوذ دوكيومينتا العالمي، إلا أنه يعمل الآن في عالم فني معاصر شديد الثراء والتنوع إلى درجة لا يمكنه معها أن يظل المعرض الحاسم الذي كانه يوماً، أو أملاً على الأقل في أن يكونه، والجمهور/المشاركون الذين عملوا وشهدوا التحولات الحقيقية ذاتها للـ30 سنة الماضية سوف يوصفون بالخداع (الذي سيكون له بالطبع مصالح مهنية مغرية) إذا ما رأوا “الفن المعاصر العالمي” متجسداً ومتمثلاً في حدود شكل معارض مثيرة كهذه فقط.

ومع حماسي الشديد للشمول وللتوسع، إلا أن الفن ليس مجرد ديمقراطية تمثيلية، فدوكيومينتا ـ وسواه من المعارض الأقل ميزانية والأقصر مدة ـ لا يمكنه بعد الآن ادعاء السيطرة على مجمل الأنقاض الفوضوية للتاريخ، إذ إن عاصفة التقدم قد رمتنا أصلاً إلى أبعد من تلك اللحظة الأنيقة.

إنني أنتظر الأقل من دوكيومينتا، أو في الحقيقة: الأكثر في الفرادة، والتركيز، والعمق، والمعنى، أنتظر أن يزداد تلطخاً أكثر وأكثر في زمن الفوضى.