P
R
E
V
N
E
X
T

TIAN JIANMING, My Teachers, 2009, colored resin, 360 × 60 × 120 cm. Courtesy Today Art Museum, Beijing.

انطلاقة

Today Art Museum
China
Also available in:  Chinese  English
سطّر معرض (انطلاقة) الذي شهده متحف “الفن اليوم”، والمنحوتات الضخمة التي ضمّها، صفحة جديدة في الصين، وطبقاً لما يقوله منظما المعرض ـ وهما رئيس متحف الفنون في أكاديمية بكين للفنون الجميلة “وو هونغ ليانغ” وقيم المعارض “تانغ ياو” ـ في النص التقديمي المصاحب؛ فقد تمت إلى حد كبير مقاربة فن النحت منذ بدايات القرن الـ21 باعتباره بضاعة في المشهد الفني الصيني المعاصر شديد التسليع، مما أدى إلى تهميش إمكانياته كشكل فني.

كان ذلك المعرض مشروعاً لـ “معهد النحت الصيني” الذي يتخذ من مقاطعة “798 الفنية” مقراً له، والذي سعى إلى بث الروح في هذا الوسيط الثلاثي الأبعاد، وذلك بمنح فنانين شباب منبراً إبداعياً مفتوحاً يتأملون بوساطته في قيمة النحت الفنية.

ومنذ أواخر سنة  2010، وكجزء من برنامج ترويجي للنحاتين الشباب الذي يدوم 3 سنوات، فقد رعى المعهد إقامة معارض في 9 مدن صينية، ضمت كل منها أعمال مواهب شابة تحت عناوين حصرية مثل (جسد) و(لعب)، كما كان عليه الحال في معرض (انطلاقة) الذي عرض ما يقارب 100 عمل لـ 55 نحاتاً؛ ملأت جناحين في متحف “الفن اليوم”.

تشكل عروض النحت حالة نادرة في بكين، إذ ما تزال اللوحة والإنشاءة تخطفان معظم الأضواء هناك، ويمكن ملاحظة أن تجميع الأعمال قريباً من بعضها في ذلك المعرض بدا أشبه بمناقشة مشروع تخرج، وقد عكست القطع جميعها إحساساً بالنضارة، وبساطة البدايات التي يتوقعها الجمهور من معرض كهذا.

وبينما اختار كثير من الفنانين الخشب وسيطاً أساسياً لهم؛ معتنين بالإبقاء على مسحته البنية الطبيعية، فقد مال آخرون إلى العمل على مواد مبيضّة كأشرطة القياس والضمادات والقماش وورق الحمام، وفي المجمل لم تكن في المعرض تلك الألوان التي يمكن ملاحظتها.

وقد برز من الأعمال البيضاء (يد تحيك بورق الحمام رقم 4)/2011 للفنان “وانغ لي” الذي يُظهر حبل غسيل تتدلّى منه سلسلة أردية بأحجام طبيعية صنعت جميعها من الورق، مثل الفساتين والأوشحة والتنانير القصيرة والقمصان القطنية، ويمتد من كل منها خيط يصلها بلفافة ورق حمام وضعت في الأسفل، وعلى الرغم من تركيز الإنشاءة على مواضيع نسائية نمطية مثل الحياكة وتعليق الملابس، فإن معالجة هذا العمل تدين أكثر على ما يبدو إلى الطبيعة “الذكورية” غير الشخصية المفترضة في النحت التقليلي Minimalist.

ومنحوتة “لي” تلك؛ تبدو بإخراجها في لمسات لونية فضية وبيضاء حصراً بسيطةً بصرياً، وخالية من الزركشات، أما الخيوط التي تصل بين الملابس ولفافات ورق الحمام فهي تشكّل صفوفاً نظيفة من الخطوط العمودية، وإن هذا التشكيل المنظم يسعى إلى إيصال فكرة العمل التكراري الكامن في الحياكة، حيث تقل البساطة وتكثر الميكانيكية.

ومن الأعمال الرمزية التشخيصية المعروضة يجيء عمل (أساتذتي)/2009 لـ “تيان جيانمينغ” الذي يقدم سلسلة مؤثرة ومتسقة مكونة من 13 شكلاً صمغياً خضّبت جميعها بلون أزرق مُخضّر من البرونز المتآكل، وتعرض جميعها مجموعة من الأساتذة الحقيقيين من جامعة “تسينغهوا” بطريقة تقليدية واقعية، حيث صوِّرت تلك الأشكال البشرية الذكورية ـ ما عدا إحداها ـ في لحظة تعكس سلوكاً ما مثل التدخين أو تكتيف الأذرع بحزم، وهو ما يمكن تخيله باعتباره طبيعياً بالنسبة للشخص المعروض.

وما يزيد العمل متعة هو ارتفاع الأشكال، إذ يصل ارتفاع الركبة فيه إلى مستوى الطول العادي للزائر، فيما بدت ملامح الشخصيات مركزة وصلبة بشكل جامد، مما أظهرها كمجموعة أنيقة قريبة للقلب، وقد أضافت مقاربة الفنان الحساسة للتفاصيل المتعلقة بطيات الملابس وتعبيرات الوجه إحساساً قوياً بالواقعية في كل شكل، فلا يسع المتفرج إلا أن يتكهّن في حقيقة وخلفيات الشخصيات المعروضة.

قدّم معرض (انطلاقة) أعمالاً ذات خلفيات متعددة لعدد كبير من النحاتين الصينيين الشباب، وكما شرح منظم العمل “وو هونغ ليانغ”: (لن يكون نحات واحد كافياً لجلب اهتمام الجمهور، لكنّ تجمع 55 فناناً في المعرض يجعله أكثر جاذبية لمحبي الفن).

وفي ضوء التحديات التي تواجهها الأشكال الفنية ثلاثية الأبعاد في المشهد الصيني المسلّع، والاتجاه المتزايد لصناديق الدعم نحو الفنون الجميلة، فإن ذلك المعرض يبدو مثل حملة ترويجية لمعهد النحت الصيني، وتحت هذه الظروف فقد ارتدى (انطلاقة) لأسباب إبداعية أو تجارية هويةً سياسيةً بلا تردد، وذلك في ظل السباق المحموم الذي تخوضه الوسائط المتعددة لتكون محط الاهتمام الفني في الصين.